Menu

أزمة القيادة في المجتمعات الإسلامية الحديثة


الحركات النهضوية والتحررية في العالم الإسلامي بين طموحات وآمال الشعوب وسياسة الاحتواء الاستعماري..؟



ذ. محمد السوسي
 
التمدين وإيصال الحضارة كلمات أو ما في معناها كانت أساس الشعارات التي رفعها الاستعمار الأوروبي وهو ينطلق لغزو العالم العربي والإسلامي بل كانت أساس إبادة الشعوب الأصلية، أو السكان الأصليين في بعض الأقاليم أو القارات التي ادعى الغرب اكتشافها لأول مرة مثل أمريكا وإن كانت نظرية أو ادعاء الاكتشاف الأول أصبحت محل تساؤل بل ونقد لدى بعض الباحثين، والذي يهمنا في هذه السطور هو ما حصل بالنسبة لأرض الإسلام هذه الأرض التي كانت تملك ناصية الحضارة و العلم والفلسفة والاقتصاد وغيرها من مقومات الحضارة، والتي كانت أساسا قامت عليه نهضة أوروبا ومع ذلك فإن الاستعمار الأوروبي احتل أرض الإسلام بدعوى التمدين، وقد اشرنا في الحديث الأخير الذي نشر الأسبوع الماضي الى شهادات تدل على أن هذا الادعاء لا يقوم على أساس، ولكن كان الهدف هو سحق الحضارة العربية الإسلامية والايتيان على قيمها وقواعدها من الجذور. مع الاستغلال للإنسان المسلم أبشع استغلال وسرقة ثروات الأرض ومسخ الإنسان، وجعله محاطا بما سماه منظروا الاستعمار والتنصير بأسلاك وحواجز الحضارة الغربية ليمسخ ما هو على أصله الذي كان عليه ولم يكتسب قيم وأسس الحضارة الاستعمارية الغربية. وإذا كان الاستعمار قد فشل في دعوى التمدين التي ادعاها فإنه نجح إلى حد ما في مسخ شخصية الإنسان وجعله كالغراب الذي فقد مشيه حيث فقد ما كان عليه من حضارة ولم يكسب حضارة وقيما جديدة ذلك ما يؤكده مؤرخوا الاستعمار قبل غيرهم.

وفي مواجهة هذا الزعم وغطرسة الاستعمار قامت حركات نهضوية وإصلاحية وتحريرية وعندما عجز الاستعمار عن مواجهة الزحف الذي يتحرك في كل ديار الإسلام، من أجل الحرية والتقدم والحضارة الحقيقية والمؤسسة على قيم أصيلة في الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية: قيم العدالة والحرية والكرامة والمساواة والتسامح الحق والعلم النافع الذي أشع نوره على كل الدنيا عندما كان الناس يستظلون بظل الحضارة الإسلامية بما في ذلك ديار الغرب وحق لدعاة الإصلاح أن يرددوا مع القائل:

        هذه آثارنا تدل علينا               فانظروا بعدنا إلى الآثار  

وعندما أحس الغرب بأنه منهزم لا محالة تحركت آلية الشيطانية لاستبدال كلمة التمدين بكلمة التحديث وكلمة الاحتلال والاستعمار بكلمات أخرى مثل الاحتواء أو الاستيعاب أو الإدماج والاندماج وفي العقود الأخيرة استبدلها بكلمة  رنانة وهي العولمة أي عولمة القيم مثل عولمة السلاع والبضائع غير أن هذه اللفظة الأخيرة التي تولدت عن مقولة صراع الحضارات كانت في غاياتها تستهدف حتى ثقافات الدول الاستعمارية نفسها لفائدة الإمبراطورية الجديدة والناشئة والتي كانت تتهيأ منذ بداية القرن العشرين وهكذا أصبح العالم الإسلامي بعد خوضه الحروب التحريرية في كل مكان بدءا من اندونيسيا شرقا إلى المغرب الأقصى غربا وهو ما كان يعبر عنه "مالك بن نبي" بمحور "طنجة جاكارتا" وكللت هذه الحرب بانتصارات ساحقة لدحر جيوش الاستعمار ولكن كما هو مؤكد في صلب الحديث لم تنل الشعوب ما كانت تصبوا إليه وما كانت تقاتل وتكابد من أجله. لأن الاحتواء فعل فعله وذهب بثمرات النصر، فكان الصراع من جديد والحرب أشد. وكانت الانتفاضات التي تحركت منذ عشر سنوات احدى هذه التحركات والانتفاضات التي شهدها العالم الإسلامي كانت الانتفاضات قبلها تعبر عن نفسها في مظاهرات وتحركات لكنها سرعان ما تقمع وفي بعض الأحيان يستغل بعض القادة العسكريين الفرصة ليعلنوا أنفسهم معبرين عن هذه الأماني الشعبية في الحرية والتحرر من الاستعمار الجديد ولكن كان الاحتواء دائما بالمرصاد، وكان التدخل الأجنبي دائما من خلال الرصد يقوم بفعل الاحتواء لإعادة الأمور إلى سابق عهدها انه الاحتواء لكل حركة تستهدف بالفعل الحرية الحقة للشعوب العربية والإسلامية وتنصيب حكومات موالية تحت مسميات مختلفة وإلا كان البديل الفوضى والحروب الأهلية ولم يكن ما حدث منذ عشر سنوات خارج هذا السياق إذ تحركت آلة الاحتواء والاستيعاب ومن لم يستجيب يعيش فوضى عارمة لا تبقي ولا تذر وإلا دلوني على شعب واحد نجح في تحقيق ما كانت الجماهير تحمله وترفعه من شعارات بل إن البعض أصابه اليأس حتى عاد يتمنى ما كان يستنكره بالأمس فلما أصبح ما هو عليه على حد قول القائل:

        رب يوم مضى بكيت فيه          فجاء غيره بكيت فيه عليه

هذا هو حال الناس مع ما سمي بالربيع العربي لقد تم احتواؤه وسرقت نضالات الشباب وقتل من قتل فيه ويعيش بعضه وراء القضبان والملاجئ والبعض تخوض حروبا أهلية ولا شيء يرجى من ورائها انه الاحتواء الذي احتوى كل نضالات الشعوب وهذا الاحتواء عبر عند السابقون بالصراع الفكري أي أن الفكر هو الذي سيحسم المعركة. لقد سمعنا منذ سته عقود ونصف (65سنة) عن الصراع الفكري في محاضرة لسعيد رمضان بالرباط، وقرأت بعد ذلك كتاب الصراع الفكري لمالك بن نبي ونشرت كتب كثيرة في هذا المعنى بعنوان (الغزو الفكري)، والحق هو أن هذا ما أدركه رواد النهضة منذ مناظرات جمال الدين ورينان ومحمد عبده وهانتو.

ونعود إلى ما كتبناه منذ عشر سنوات ونسأل هل من تغيير؟    

منذ أربعين سنة كتبت عدة مقالات بهذا العنوان أزمة القيادة.. في جريدة "العلم" (مارس1970) وما بعد، وبلادنا آنذاك تعيش تحت نير حالة الاستثناء وتعطيل الحياة الدستورية وتكميم الأفواه ومصادرة الصحف بل وتكسير المطابع إذا لم تنفع المصادرة كما حصل لمطبعة "الرسالة" حيث تطبع صحيفتا "العلم" و "الرأي" وليس الأمر عند غيرنا ممن يعيشون تحت النظام الشمولي والحزب الوحيد بأحسن مما عندنا.

واليوم ونحن نراقب ما يجري في ديار العروبة والإسلام من فوضى وقلاقل وقمع للحريات وفرض الأحكام العرفية والاستئثار بالأمر و بالتوجيه في أغلب البلاد الإسلامية رغم وجود الدساتير والقوانين وحتى البلاد التي بدأت بوادر تعافيها من التدخل في الانتخابات وفي الاختيار الحر للأمة تلوح الآن في الأفق إرهاصات ان أمر النزاهة ربما كان برقا خلبا أو سرابا حسبه عشاق الديمقراطية والشورى بارقة تغيير في أفق تحقيق الديمقراطية، ولكن ما جرى وما يجري في بلاد الإسلام شرقا وغربا ينبئ أن هناك نية مبينة لدى البعض للسعي للرجوع عن بعض المكاسب التي تحققت، هنا وهناك وربما كان كشف القناع عن تصرفات الدول الكبرى التي كانت ولا تزال تلوح بورقة الديمقراطية وحقوق الإنسان وقتل الأبرياء بمآت الألوف واعتقال الآخرين وقتلهم صبرا وبدون محاكمات لعل كل ذلك قد انعكس على ما يجري من لدن بعض الحكومات والمسؤولين في ديار العروبة والإسلام، ونعيد اليوم نشر تلك المقالات للذكرى والتذكير وليس لتبرئة الذمة من واجب مواصلة العمل مع العاملين من أجل مجتمعات مسلمة شورية ديمقراطية متقدمة ومزدهرة.

 ونواصل اليوم إعادة نشر تلك المقالات مع التحيين الضروري نظرا لتطور الأحوال والظروف، وإن كان روح تلك المقالات يبقى هو هو.
 ونحن بصدد مراجعة هذه المقالات وتحيينها طفا على السطح ما سمي بفضيحة (ويكلكس) التي نال منها القيادات الإسلامية أوفى نصيب ثم جاءت بعد (وكيليكس) رياح التغيير التي هبت على تونس وذهبت بأحد الطغاة وعنصر من عناصر أزمة القيادة بين الشعوب والمسؤولين في المجتمعات الإسلامية..
 وتحدثنا عن غياب الفكر باعتباره مظهرا من مظاهر الأزمة واليوم نواصل الحديث عن الحرية (الجزء الثاني) باعتبارها مظهرا من مظاهر أزمة الحكم في المجتمعات الإسلامية وذلك على مستويين المستوى الأول: تأصيل معنى الحرية، والمستوى الثاني وضعية الحرية في المجتمعات الإسلامية.

 واليوم نتحدث عن القسم الثالث من الجزء الثاني (وضعية الحريات في المجتمعات الإسلامية).
حيث نتحدث عن الأوضاع الاجتماعية والدينية والسياسية التي أفضت بالعالم الإسلامي إلى الوقوع في يد الاستعمار والصليبية الغربية في القرون الثلاثة الأخيرة: 18 – 19 – 20 الميلادية.

وفي الحلقة الرابع عشرة نواصل تحليل الأوضاع في العالم الإسلامي في نفس الفترة دون إغفال الإشارة ولو عرضا لما يحصل حاليا بين الشعوب والقيادات في العالم الإسلامي، نظرا للترابط الحاصل بين حال النهضة ونتائجها والواقع في عالم اليوم.
********
من قرن إلى قرن والحالة كما هي؟

انتهينا في الحلقة الثالثة عشرة من هذه الحلقات التي خصصناها للحديث عن أزمة القيادة في المجتمعات الإسلامية إلى نتيجتين اثنتين لأوضاع المجتمعات الإسلامية في القرن الثامن عشر وهما السقوط في براتن الاستعمار، والنهضة ومحاولة التجديد. ومما هو أكيد أن الحالة التي أدت إلى ذلك  السقوط لا تزال ملامحها ماثلة في المجتمعات الإسلامية ونحن نجتاز سنوات العقد الأول من القرن الواحد والعشرين بل أن مجتمعاتنا في السنة الأولى من العقد الثاني من هذا القرن كما سلخنا كذلك الثلث الأول من القرن الخامس عشر الهجري وقد كانت بداية هذا القرن بداية تفاؤل لدى هذه القيادات وان كانت الأوضاع في العالم الإسلامي في مفتتح القرن الخامس عشر الهجري لم تكن مشجعة على التفاؤل إذ كانت الحروب الأهلية والحروب البينية وقمع الحريات وسيطرة نظام الحزب الوحيد وإعلان الأحكام العرفية في كثير من العالم الإسلامي هي السمة البارزة ولا تزال الأوضاع تراوح مكانها مع الأسف الشديد.

فوضى أم نهضة؟:

ومما لا شك فيه أن تلك الوضعية المزرية التي تحدثنا عنها في الحلقة الأخيرة يمكن بعملية إسقاط بسيطة أن نلحظها في كثير من المجتمعات إن لم يكن في كل  مجتمعات العالم الإسلامي، وأهم ما يلحظ هو عدم وجود الانسجام الضروري بين القيادات على اختلاف أصنافها وبين هذه المجتمعات مما جعل الأوضاع تتردى في أكثر من بلد، وتعم القلاقل  والفوضى لأن الشعوب شعرت انها مرة أخرى تدنيها أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإغراقها في الديون من لدن حكومات الغرب الاستعمارية القديمة والجديدة  ومن لدن المؤسسات المالية العالمية، وحتى الدول التي لديها من الرصيد المالي ومن الثروات ما يمكنها من تحقيق الرفاهية والتنمية الضرورية لشعوبها لا تفعل ذلك وليس الوضع في دولها بأحسن من غيره في دول أخرى لا تتوفر على نفس الإمكانيات.

وتعرف الشعوب من خلال التقارير التي تنجزها وسائل الإعلام الغربية والمؤسسات المالية حجم الأموال المودعة لدى الأبناك الأجنبية هنا وهناك والتي تقدر بمآت الملايير من الدولارات والشعوب تتضور جوعا وتعيش في بطالة وفقر مدقع دون توفير العلاج من الأمراض التي تفتك بجزء مهم من هذه الشعوب ودون السعي لبناء نهضة صناعية واقتصادية، واحرى أن تعمل هذه القيادات للدخول في تنافسية مع العالم الأخر فيما وصل إليه في المجالات العلمية والتقنية وأحرى أن تلج وتدق أبواب الحضارة الرقمية.

ما هو المصير؟

فهل ننتظر من هذا الواقع المؤلم والبئيس والشبيه بالأوضاع التي أدت إلى السقوط في يد الاستعمار ان تعود الأمة الإسلامية مرة أخرى إلى الوقوع في براتن الحكم الأجنبي والاستعمار الجديد الذي غير الأسلوب مع بقاء الأهداف هي هي؟.
انه سؤال مؤرق وملح، ومن يراقب ما يقرر في دوائر الغرب العدو التقليدي والمتربص بهذا العالم وخيراته لا يمكنه إلا أن يتوجس ويضع يده على قلبه ان كان لا يزال لدى ذوي الغيرة من هذه الأمة قلوب تتحمل، وأكباد لم تتفطر من هول ما يجري وما يحدث.

نماذج من الماضي:

إن البعض تفاءل فيما يحدث هنا وهناك من انتفاضات شعبية، والإنسان الذي اكتوى بالطغيان والاستبداد والقهر والنظام البوليسي الذي يحصي الأنفاس ويطبخ الملفات ويدفع بالكثير من شرفاء الأوطان والمجتمعات إلى غياهب السجون أو العيش في ملاجئ الغرب ودوله رغم ما يكنه ويكنونه له من التربص الأناني في المجتمعات الإسلامية والحالة كما هو معروف  لا يسعه إلا أن يتفاءل وهو يرى الطغيان يتهاوى ويسقط.

ولكن، لا بد من اليقظة ونحن نقارن حالة بحالة الم يحدث ذلك عندما تهاوى النظام الاستبدادي في السلطة العثمانية وأعلن الدستور وسقط نظام السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909 حيث عمت الفرحة كل أرجاء السلطنة العثمانية وعاد المقيمون خارج السلطنة الم يحدث ذلك كذلك عندما أعلن الدستور في إيران 1906 الم يبتهج المغاربة وهم يحررون البيعة  المشروطة وينصبون ملك  الجهاد؟ ألم يحدث ما يشبه ذلك عندما أعلن العرب ما أسموه بالثورة الكبرى وعند نهاية الحرب قال شوقي البيت المشهور:

 وأردنا من الغنائم حظا    ***   فدخلنا الوغى وكنا الغنائم

وقس على ذلك ما حدث في غير ما ذكرنا من البلدان.
ولكن لماذا نوغل في التاريخ وهذه الثورات التي أعلنت ضد الاستعمار وانتصرت ماذا كان الواقع بعدها؟ الذي حصل هو ان الشعوب سلخت عقودا ليتم إعلان ما نشاهد اليوم من ثورات ومظاهرات.

ضرورة الحذر واليقظة:

إن الأمر يتطلب الكثير من الحذر والحيطة ذلك أن مسارعة بعض الدول التي لها حساباتها الخاصة مع الشعوب وتاريخها وحضارتها وما تقوم به في أجزاء كثيرة من المجتمعات الإسلامية يطرح مسؤوليات كبرى في هذه المرحلة الدقيقة حتى لا يخطئ الناس الحساب من جديد، وحتى لا يكونوا على خلاف مع موعد التاريخ.
لقد كان مالك بن نبي رحمه الله ينظر دائما بعين الريبة لتصرفات المستعمرين ويضع ما يجري هنا وهناك آنذاك في دائرة الصراع الفكري أو الصراع مع الاستعمار. والصراع الفكري يرى فيه محاربة الأفكار الجيدة بوسائل دنيئة لا يتقنها ذووا الأفكار النظيفة والنيرة. ثم ان لنا من الخبرة مع نتائج ثورات سابقة ضد الاستعمار ما يجعلنا نخشى من نتائج ما يحدث، فالثورات التي قامت بها هذه الشعوب ضد الاستعمار آل أمرها إلى أن الاستعمار خرج من الباب وعاد من الشبابيك بل من الأبواب الخلفية التي تركها مشرعة بترتيبات سابقة.

تضحيات وجهات متربصة:

إن الداعي إلى هذا الحذر الذي رأيت من الضروري التعبير عنه هو الحرص على ان لا تذهب الجهود والتضحيات التي يبذلها الناس هنا وهناك وتكون القوات الاستعمارية المتربصة والمتعطشة للمحافظة على المكاسب بل تحصينها بمزيد من المكاسب في المجال السياسي  والاقتصادي والحضاري؛ إذ يجب أن لا ننسى أن الصراع بالأساس هو صراع حضاري مهما حاول البعض إخفاء ذلك لأن الكتابات والتصريحات والتقارير الاستخباراتية وحتى الصحفية والتاريخية تقول ان الصراع حضاري بامتياز.
ان الإنسان لا يمكنه ان يتجاهل التاريخ ولا ان يتجاهل ما حدث في الماضي وما يحدث الآن وإذ كان ما يجري الآن هو في طور المخاض. فان الحديث عن الماضي الذي افرز الواقع الحالي لا بد ان نستحضره كما دونه  مؤرخوا المرحلة كصاحب (حاضر العالم الإسلامي)  ( لتوروب ستودارد)  الذي أرخ  للمرحلة السابقة لما قلنا، فهذا الباحث يصف الوضع على النحو التالي:

سيطرة وتأثير؟:

إن سيطرة الغرب على الشرق هي القوة الهائلة  الشاغلة مكانا خطيرا في تطور الشرق في هذا العصر، وبسبب هذه السيطرة ما برحت لواقح المؤثرات الغربية تنبث وتنتشر، لا بل تتدفق على بلاد وتطفو على كل رقعة، حتى غدا التغرب من أكبر عوامل التبدل والانقلاب في العالم الإسلامي، حتى وفي الشعوب الأسيوية والإفريقية غير المسلمة ولكن الاحتراز أن تؤخذ من هذا أن السيطرة الأوروبية هي السبب والعامل  في جميع هذه الاستحالات والانقلابات الحديثة في العالم الإسلامي. فقد سبق  لنا الكلام مبسوطا، مبينا فيه كيف أن عناصر المزاج الإسلامي ما انفكت  طيلة القرن الأخير ينفعل بعضها ببعض  انفعالا شديدا، فيدثر منها ما يدثر، ويستجد فيها ما يستجد، وتتلاشى قوى وتتولد أخرى، وذلك جميعه، على ما نقيم من الوزن لما هو متدفق من العوامل الغربية الطارئة من خارج، إنما هو بحد ذاته تجدد قائم في الباطن؛ فعله بالغ كل البلوغ من طبائع ذلك المزاج وعناصره مما  لا مندوحة لسنة النشوء والتجدد عنه. وعلى ذلك فما هو واقع مشهود في العالم الإسلامي اليوم من التبدل والتحول والتطور يجب ألا يعتبر مجرد محاكاة للغرب وتشبه به فحسب، بل إنما ذلك هو نتيجة تفاعل العناصر تفاعلا مكونا لشيء جديد، وهو الأخذ عن الغرب أخذا مفرغا في بوتقة شرقية وفي قالب إسلامي.

حضارة وحضارة:

 ويجب فوق ذلك ألا يغيب عن الأذهان ان الشعوب الأسيوية التي يتألف منها سواد المسلمين ليست، كما يقول بعضهم، شعوبا متدلية منحطة كزنوج افريقية والجزائر الاسترالية، بل أنها لذات  حضارة بديعة حية منذ القرون الخوالي، حضارة هي نتاج إسلامي صرف، متكون من صنع  المسلمين وثمرات جهودهم. ومتى ما أخذنا نعتبر ما قد استطاعته هذه الشعوب الإسلامية من تشييد المعالي، وفروع ذروات المجد فيما مضى، أمنا الحطل بقولنا الآن اننا نستبين خلال هذا الغليان الهائل في العالم الإسلامي تجددا حقيقيا، صحيحا رائعا، ولا غرابة في ذلك ان عاد الإسلام يستعيد من عزه الغابر وعلاه السالف، وهذا تاريخه المجيد شاهد له على ما كان عليه المسلمون قبلا من الحضارة والعمران.

بين سيطرة وسيطرة:

إن سيطرة الغرب الحديثة على الشرق لا مثيل لها في التاريخ من حيث العظامة والخطورة، والمدى والمجال. فما كان لليونان ورومية من قبل من السيطرة المحدودة النطاق على بعض من العالم، لا يعد بالإضافة إلى سيطرة الغرب اليوم شيئا مذكورا. والغريب في حديث هذه السيطرة الغريبة انها بنت خمسة عقود من السنين لا أكثر، بدأ سيلها يتدفق على الشرق منذ نحو منتصف القرن التاسع عشر، ومنذ ذلك الحين لم تزل وسائلها وأسبابها تنتشر وتعم؛ ذلك كالطرق، والمسالك الحديدية، والبرد، والبرق، والكتب والصحف والمجلات، وكشيوع جديد الآراء والأفكار المتوالية الازدياد في كل مصر شرقي. وباتت السفن التجارية تمخر عباب بحور الشرق وترسو في كل ثغر من ثغوره، وطفقت التجارة تمتد ناشرة وفر البضاعات  والأرزاق.

الطبقة الأكثر تأثير؟:

وأظهر ما يكون التغرب في الطبقتين العليا والوسطى، ولا سيما في أولئك المتهذبين على الطراز الغربي، وهم الأقلون في كل بلد من بلدان المسلمين، وعددهم ومبلغ مالهم من السلطة ونفاذ الكلمة فعلى تفاوت في موضع موضع: يقولون باقتباس الأفكار والآراء الغربية، ولكنهم يختلفون في القدر الذي يقتضي الحصول عليه. فمنهم من يقول باقتباس الفضائل الغربية الصحيحة مضافة إلى ما في تراث آبائهم وأجدادهم من الفضائل العليا والفلسفة السامية بحيث يكون لهم من هذا وذاك مزيج جامع بعناصره ومواده لاحاسن الحاضرتين الشرقية والغربية، ومنهم من يقول بإهمال هذا التراث ولو كان شأنه حسنا مهما كان، وبالاندفاع للتغرب والانكباب عليه بأوسع نطاق. ومنهم من يتظاهر بالتغرب تظاهرا من ورائه المقت والشنأة للحضارة الغربية، ان هذا الواقع لا يزال مستمرا وقد طفا على السطح عاليا في تونس وفي مصر.

الاستعمار والحضارة:

وقد وصف العلامة «رمسي موير» وهو من كرماء أرباب مذهب التوسع الإمبراطوري، هذه الحقيقة بقوله: «من الحق الذي لا يماري فيه ان توسع الأمم الأوروبية التوسع الاستعماري، كاد يكون الذريعة الوحيدة التي انتشرت على يدها الحضارة الغربية في جميع رقاع العالم المعمور، فبات على أثر ذلك وحدة اقتصادية كالحلقة المفرغة، وأمست جميع شعوبه وأممه تسير على نظم سياسية أدناها صائر إلى مماثلة أرقاها. وهذا مما يحملنا على الاعتقاد أن العالم بأسره هو مسوق إلى الانضواء تحت نظام عالمي عام، قائم على طراز شامل لم يحلم بمثله المتقدمون.»
ان النص أعلاه الذي يحلل السيطرة الغربية على العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر يوضح بجلاء.
1/ ان الأمر هو بداية ونهاية أمر حضارة في مواجهة حضارة أخرى وهو يحلل إلى أي حد تأثرت النهضة التي يؤرخ لها بالاحتلال والاستعمار الغربيين: فيرى ان التأثير هو مزاح بين الحضارة الأصلية الإسلامية وبين ما جاء به الغرب.
2/ ان هذا الرأي الذي يذهب إليه المؤرخ الأمريكي لا يسانده فيه دعاة الإمبراطورية وحاملوا لواء الاستعمار الغربي الذي يرى ان ما عرفه الشرق من (نهضة) هو وليد التأثيرات الاستعمارية.

وصية اللورد كرومر:

وهذه شهادة أخرى من احد دهاقنة الاستعمار الأوروبي في العالم الإسلامي اللورد  كرومر المعروف جيدا يوصي الاستعمار بمراعاة قواعد معينة للحفاظ على نفوذ الاستعمار يقول:
وقد أصاب اللورد كرومر في وصفه أدب الاستعمار الحديث بقوله: « يجب ان تكون السياسة الاستعمارية قائمة على قواعد التبصر والحكمة. ويجب أن تكون أصول أحكامنا التي هي الصلة بيننا وبين جميع الشعوب الداخلة في حكمنا، من حيث الاعتبار السياسي والاقتصادي والأدبي، قواعد صحيحة سليمة منزهة عن الشائبة والنقص. هذا هو حجر الزاوية في بناء الإمبراطورية. ان المبرر الأكبر للاستعمار يجب أن يظهر جليا في حسن التصرف بما في أيدي هذه الإمبراطورية من القوى. فان استطعنا ذلك فكنا فيه من الحكماء، ولينا وجوهنا شطر المستقبل رفيعي الجباه لا نخشى ان يعرونا ما عرا الإمبراطورية الرومانية من قبلُ من الفساد والدخل، وان لم نستطعه فكنا فيه من الجهلاء الأغبياء، فقد استحقت الإمبراطورية البريطانية الانهيار من عل، و لسرعان ما تتناثر حلقاتها وتتبدد بعد الاجتماع».
وقد تحقق نبوءة كرومر فالإمبراطورية البريطانية سارت على نهج  يخالف وصيته وتناثرت الإمبراطورية  البريطانية كغيرها من الإمبراطوريات.

المفاسد تنتج عنها الكراهية:

فهذه المفاسد الناشئة عن تيار التغرب إنما هي من الأسباب  الكبرى في انتشار روح البغضاء والكره في أصقاع الشرق لكل شيء غربي، وقد عمت هذه الروح حتى شملت الكثير من أولئك الواقفين على طبائع حضارة الغرب وعمرانه حق الوقوف، فساعد ذلك كله على ازدياد الروح الرجعية المقاومة لسيطرة الغرب السياسية.
إن هذه الكلمات وإذ كان قائلها قد عنى بها وصف الحالة في الهند على الخصوص، فهي تصح ان تتخذ تمثيلا لصفة الحال في كل بقعة من بقاع الشرقين الأدنى والأوسط. قال أحد كتاب الفرنسيين في هذا الشأن: « الحق أن الشرق على العموم، والعالم الإسلامي على الخصوص، لفي دور من الانتقال عظيم. يجوز الشرق اليوم برزخا فيه يعارك الماضي الحاضر، وتتنازع العادات القديمة والجديدة الدخيلة، فبدت صور غريبة ومشاهد عجيبة.» عن الفصل الثالث من ترجمة عجاج نويهد لكتاب (حاضر العالم الإسلامي) بتصرف الطبعة الأولى 1342ه.

ان هذه الفقرة التي عبرت عن واقع مر عليه أزيد من قرن لم يعط للشرق ولا للعرب المسلمين ما كان مؤملا من نهضة ونفوذ وعدالة وحضارة وهذا أدى إلى الأزمة بين القيادة والشعوب والأزمة أدت إلى المخاض الحالي (الربيع العربي) وهو ما يفرض حذر ويقظة ليلا يتكرر ما حدث في الماضي. ونواصل الحديث عن أزمة القيادة في الحديث المقبل بحول الله.

              


الاشتراك بالرسالة الاخبارية