Menu

أي سياسة فلاحية مستدامة وخالقة للثروة في مغرب الغد ؟ : لحسن حداد




أي سياسة فلاحية مستدامة وخالقة للثروة في مغرب الغد ؟ : لحسن حداد
تعد الفلاحة أحد أعمدة الاقتصاد الوطني حيث تشكل 15٪‏ من الناتج الداخلي الخام وهي مصدر عيش لشريحة عريضة من سكان البوادي وتساهم بشكل هام في قيمة العرض التصديري المغربي كما أنها خزان لمظاهر التجربة الثقافية المغربية المتجدرة في الواقع والمخيال المجتمعي في علاقته مع الأرض والماء وموارد أخرى. 

الثنائية التي ورثناها عن الاستعمار والمتمثلة في وجود فلاحة عصرية ممكننة ومسقية ومنظمة بشكل عقلاني إلى جانب فلاحة تقليدية تعتمد على التساقطات المطرية بورية وضعيفة الإنتاجبة (رغم التقدم الملحوظ الذي حصل في العقدين الأخيرين على مستوى المكننة واستعمال البذور وإستصلاح الأراضي والتشجير) لازالت مستمرة. 

التحديات التي كانت ولا تزال بشكل أو آخر تواجه الفلاحة التقليدة المغربية تتمثل في ضعف الإنتاح، وصغر المساحات المحروثة، وعدم استعمال التقنيات الحديثة، والاعتماد على التساقطات المطرية، والتركيز على زراعة الحبوب، وضعف التسويق، والاستعمال الغير الجيد للتمويل عبر القروض، وتقلص الموارد البشرية العاملة في الفلاحة وعدم جاذبية الفلاحة بالنسبة  لشباب الأرياف كمصدر للشغل والعيش، وتقلص نسبة مساهمة الإنتاج الفلاحي في دخل الفلاح الصغير...

الفلاحة العصرية كانت تواجه تحديات من نوع آخر: تفاوت على مستوى سلاسل القيم من حيث العصرنة وعقلنة الإنتاج والتسويق، ارتفاع قيمة الاستثمار في علاقته مع مردودية الإنتاج، الاعتماد على أسواق محددة تستعمل سياسة الكوطا فيما يخص استيراد المنتوجات المغربية، ضعف التأطير، ضعف القدرة على التسويق، ضعف التنافسية على المستوى الدولي، وضعف استعمال المعايير الدولية فيما يخص السلامة الصحية والتتبع. 

تم اعتماد المخطط الأخضر من أجل تجاوز هذه التحديات ووضع الفلاحة المغربية على سكة التطور لكي تصبح أحد أعمدة الاقتصاد الوطني من حيث خلق الثروة والشغل والقيمة المضافة. 
بالنسبة للفلاحة العصرية الهدف كان هو " تنمية فلاحة متكاملة،تستجيب لمتطلبات السوق، وذلك من خلال انخراط القطاع الخاص في استثمارات جديدة ومنصفة" (وزارة الفلاحة، المخطط الأخضر). وبالنسبة للفلاحة التضامنية، كان الهدف هو " محاربة الفقر في العالم القروي عبر تحسين دخل الفلاحين الصغار خصوصا الذين يتواجدون في المناطق الهامشية" (نفس المصدر). 

وتنفيذ هذا المخطط تطلب اعتماد مباديء ومقاربات متجددة تتمثل في: أولا، الدور المحوري للاستثمار العمومي ودعم دور الدولة في التخطيط، والتأطير والتسويق بتنسيق مع القطاع الخاص دون التدخل المباشر في عملية الإنتاج كما حصل في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي (الشبكات المتداخلة للتنمية القروية، المخطط الأخضر: المباديء العامة وإنجازات الاستراتيجية الفلاحية المغربية). ثانيا، خلق مليون مقاولة فلاحية عصرية معتمدة على الاستثمار والتخصص ونسج علاقة مباشرة مع السوق (نفس المصدر). ثالثا، اعتماد مقاربة التجميع وذلك عبر تنظيم الفلاحين الصغار في إطار تعاونيات وتعاقدهم في إطار تشاركي مع فلاح كبير تدعمه الدولة لكي يؤطرهم ويساهم في الرفع من إنتاجيتهم وتسويق أحسن لمنتوجاتهم (نفس المصدر). رابعا، التنفيذ على مستوى جهوي عبر خطط تتوخى تحسين مردودية القطاعات الزراعية المناسبة لكل جهة على حدة (نفس المصدر). 

حوالي عشرة سنوات بعد إطلاق مخطط المغرب الأخضر نرى أن النتائج إيجابية ومشجعة: ارتفاع ملحوظ في الصادرات المغربية (30٪‏)، الدور الريادي المغربي على مستوى بعض السلاسل (الكبر، الفاصوليا البيضاء والأركان وبشكل أقل على مستوى الكليمنتين ومعلبات الزيتون)، والرفع من الإنتاجية ذات القيمة المضافة ب 37%، والوصول الى الاكتفاء الذاتي (100٪‏) على مستوى اللحوم والفواكه والخصر، و70 ٪‏ على مستوى الحبوب و40 ٪‏ على مستوى السكر، وارتفاع مهم في الاستثمارات (87 مليار درهم (56 ٪‏ منها من القطاع العام)، ( (إنجازات الحكومة، 2016).

مع ذلك لا زالت الفلاحة المغربية تعاني من نقص كبير في المكننة (إحدى عشر مرة أقل من إسبانيا)، واستعمال البذور (اربع مراة أقل من فرنسا)، عدد قليل من الفلاحين يحصلون على قروض (18٪‏)، ولا تشكل نسبة الصناعة الغذائية في الصناعة التحويلية بشكل عام إلا 33٪‏ (إنجازات الحكومة، 2016). 

ولا زالت زراعات الحبوب هي المهيمنة في أوساط الفلاحين الصغار ولم يعرف المغرب بعد التحول المنشود إلى زراعات لا تعتمد على التساقطات المطرية، بالإضافة إلى تدني الإنتاجية مقارنة مع دول فلاحية أخرى على مستوى المساحات البورية والسقوية على حد سواء وذلك لضعف تأطير الفلاحين وعدم تدبير التأطير بالنتائج. وحتى المساحات المشجرة من طرف الدولة يسود الترقب حول قدرة الفلاحين الذين سيتم تفويت الأراضي إليهم على تحمل متطلبات الاستثمار للحفاظ على الإنتاحية في المستوى المطلوب. 

بعض السلاسل كالحوامض عرفت إنتاجا مفرطا لا يتجاوب مع دينامية حاجيات السوق على المستوى الدولي مما يطرح أسئلة حوال نجاعة التدبير الاستراتيجي المستعمل .

أضف إلى ذلك الاستعمال المفرط للفرشة المائية بمناطق تعرف نقصا حادا في المياه السطحية والجوفية واستعمال الفلاحين الكبار للغاز المدعم من طرف الدولة من أجل ضخ المياه الجوفية. 

من جانب آخر لم تعط سياسة التجميع أكلها بعد باستثناء الطماطم في الجنوب والفراولة في الشمال وكذا على مستوى قطاعي الحليب والسكر وهي تجارب كانت موجودة قبل اعتماد سياسة التجميع. 

لهذا فالدعم في مجمله يستفيد منه الفلاحون الكبار والمتوسطون ولا يمس كثيرا الفلاحين الصغار الذين لا يمكن لهم من الاستثمار في التشجير والاستفادة من الدعم فيما يخص الأغراس والسقي بالتنقيط وغيرها... 

يبقى التحدي الأكبر بالنسبة للفلاحة المغربية هو: إلى متى ستبقى تعتمد على دعم وتدخل قوي من الدولة؟ اتفاق التبادل الحر مع الولايات المتحدة، أحد أكبر البلدان الفلاحية في العالم، سيشمل الحبوب والمنتوجات الفلاحية ابتداءا من 2018 وحتى 2022. هذا يعني دخول منتوجات فلاحية أمريكية أقل تكلفة وأحسن جودة السوق المغربية دون قيود. هل هذا يعني دعما أكبر من الدولة لضمان تنافسية المنتوج المغربي؟ في غياب استراتيجية ناجعة للرفع من الإنتاجية والجودة بأقل تكلفة ستبقى الفلاحة الوطنية تحت رحمة التبعية لدعم الدولة وهو دعم مؤهل لأن يعرف ارتفاعا مهما في السنوات المقبلة. وهذا يطرح علامات استفهام كبرى حول المردودية الاقتصادية الحقيقة للمنتوجات الفلاحية المغربية في ظل دعم يشمل جميع مراحل العملية الإنتاجية ويستفيد منه بشكل ملحوظ كبار الفلاحين دون غيرهم. 

ما العمل اذا؟ أي سياسة فلاحية لمغرب الغد يجب أن تعتمد  على مكاسب المغرب الأخضر وتستلهم الدروس من تعثراته. أولا، يجب اعتماد مقاربة مستديمة لا غبار عليها تتمثل في عدم استعمال الفرشة المائية إلا عند الحاجة القصوى، وفي سلك طرق ناجعة في ترشيد واقتصاد استعمال الماء المعبأ عن طريق السدود، ووضع مخطط لجمع وإعادة استعمال نفايات معاصر الزيوت، وعدم إضعاف بنية الأتربة المستعملة في الفلاحة، ووضع آليات للنقص من التلوث الناتح عن استعمال الأسمدة الكيميائية والحيوانية مع العلم أن الأزوت والفوسفاط يحدثان عدم توازنات في منظومة التربة التي تعرف جريانا سطحيا، ووضع معايير صارمة لاستعمال المبيذات ومنع استعمالها قرب منابع المياه والفرشات القريبة من سطح الأرض.  يجب كذلك وضع خريطة مدققة للموارد المائية السطحية والباطنية وتوجيه الزراعة حسب قدرة الأنظمة الايكولوجية على تحمل نشاط فلاحي دون آخر.  الفلاحة هي نشاط إنساني ملوث والمغرب بقضل توجهه العام لوضع أسس اقتصاد مستديم وفاء لالتزاماته الوطنية والدولية عليه أن يضع أسس فلاحة مستديمة وإيكولوجية تستعمل الموارد بشكل عقلاني ولا تحدث تلوثا لا في الهواء ولا تبذر الموارد السطحية والجوفية. 

ثانيا، يحب الاهتمام بشكل أساسي بالفلاح الصغير عبر مقاربة جديدة تشكل قطيعة مع الماضي. الضيعات الصغيرة في دول مثل فرنسا والولايات المتحدة والصين والأرجنتين هي عادة ما تكون ايكولوجية ومنتجة وغير مدمرة للبنية الإيكولوجية وهي بذلك أكثر استدامة من الضيعات الكبرى ذات التنظيم الصناعي. العامل الأساسي هو المعرفة والتكوين: يجب تكوين الفلاحين الصغار تكوينا علميا مبنيا على النتائج وتأطيرهم بشكل دائم في إطار مواكبة عملية على مستوى الضيعات الصغيرة. بالإضافة إلى المعرفة العلمية، يجب دعم كفايات الفلاح الصغير في التقاول والانخراط في السوق والتسويق والبحث عن الزبناء وكذا ما يخص علامة الجودة والتتبع. هذه أمور سهلة الاكتساب والتجارب أثبتت أن دخل الفلاحين الصغار يرتفع كلما ارتفعت معرفتهم وقدرتهم على التدبير والتسويق. من التجارب التي أعطت أكلها فيما يخص الرفع من دخل الفلاحين الفقراء هو انخراط أكثر للمرأة في الانتاج والتسويق واتخاذ القرار على مستوى الضيعة الصغيرة. دعم انخراط المرأة أساسي لخلق فلاحة تضامنية ومستديمة. تنظيم الفلاحين الصغار في إطار تعاونيات يجب أن يكون أولوية حكومية لا محيد عنها. بالإضافة إلى الترسانة الموجودة حاليا يجب المرور إلى وضع إطار قانوني محفز وصندوق خاص لدعم التعاونيات ووضع تحفيزات مالية لدعم الانخراط والرفع من قدرات التعاونيات المقاولاتية والتدبيرية.

ثالثا، المكننة والرفع من الإنتاجية والتسويق تبقى كذلك تحديات الفلاحة العصرية. على مستوى المكننة  تبقى التحفيزات الحالية غير كافية كما يتوجب وضع آليات في السوق تتجاوب وحجم الضيعات وكذا نوعية النشاط الفلاحي وقدرة الفلاحين على اقتنائها. ويجب كذلك توفير التأطير اللازم والتتبع من طرف أخصائيين فيا يخص المكننة. الأساس هو أن المكننة يجب أن تترجم إلى إنتاجية أكثر ومردودية أكثر من أجل ضمان إقبال متزايد عليها من طرف الفلاحين. 
 
أما على مستوى الرفع من الإنتاجية فيجب تجاوز المقاربة الحالية لتأطير الفلاحين والمعتمدة على التحسيس والزيارات والمرور إلى تأطير أكثر نجاعة مع اعتماد مؤشرات النتائج (أي حجم الإنتاج)  وليس مؤشرات الإنجاز (عدد من حضر ورشات التكوين والتحسيس). وهذا يتطلب موارد مهمة واسترتيجية واضحة المعالم   مكيفة حسب سلاسل القيم وحسب الجهات. على المغرب أن يقترب في غضون السنوات المقبلة من الإنتاجية التي تصل إليها مثل فرنسا، وإسبانيا ونيو زيلاندا والشيلي والأرجنتين على مستوى كثير من سلاسل القيم وخصوصا تلك التي يتمتع فيها بامتيازات مهمة كالزيتون والحوامض والبواكر وغيرها. 

التسويق يبقى تحديا كبيرا. وما وقع للحوامض في السنين الأخيرة يمكن أن يقع لسلاسل قيم أخرى. لهذا يجب اعتماد مقاربة مبتكرة والاستفادة من تجارب دول مثل الشيلي ونيو زيلاندا والتي رغم بعدها عن الأسواق المهمة في أوربا وأمريكا الشمالية ابتكرت طرق تسويقية ناجعة جعلت منتوجات هذين البلدين متواجدة على مستوى كل نقط البيع. يجب تنويع الأسواق والتأسيس لدخول نوعي في روسيا وأمريكا الشمالية وجنوب شرق آسيا لتجنب الاعتماد المطلق على السوق الاوربية.  

الفلاحة من أعمدة الاقتصاد الوطني ويجب أن تحضى بأولوية في السياسات العمومية. ولكن يجب أن تركز على دعم الفلاحة التضامنية وتنظيمها وعصرنتها بدرجة أولى لمحاربة الفقر. دعم انتاجية الفلاحة العصرية وقدرتها التصديرية لا يجب أن يستحوذ على حصة الأسد من دعم الدولة. أضف إلى هذا أن تحدي الاستدامة أصبح مطروحا بشكل كبير ويجب وضع تصور متجدد وناجع لكيفية التعامل مع القضايا العديدة المتعلقة بالموارد والمنظومة الإيكولوجية التي يطرحها النشاط الفلاحي. قطعنا أشواطا مهمة في التحديث والعصرنة والرفع من الإنتاجية ولكن آن الأوان لاعتماد مقاربة جديدة تناسب التطورات والتحديات التي طفت على السطح. وهذا ليس بالشيء الصعب شريطة توفر القدرة لاستكشاف المستقبل بعزيمة وإرادة.

              



الاشتراك بالرسالة الاخبارية