Menu

افتتاحية العلم.. الأمازيغية لا تحتمل المزايدات والتأخير بل تتطلب إرادة جماعية حقيقية لتنزيلها دستوريا




افتتاحية العلم.. الأمازيغية لا تحتمل المزايدات والتأخير بل تتطلب إرادة جماعية حقيقية لتنزيلها دستوريا
مثلت لحظة التشريع المتعلق ببنك المغرب مناسبة أخرى للمناقشة والتداول، في قضية هامة تحظى باهتمام استثنائي، و يتعلق الأمر باللغة الأمازيغية، وعودة النقاش في هذه القضية التي ترتبط ارتباطا مباشرا ووثيقا بالهوية الوطنية يكشف أول ما يكشف عنه التلكؤ الحكومي في التعاطي الجدي مع هذه القضية، حيث لا تزال تمانع في تنزيل القانون التنظيمي للغة الأمازيغية من خلال افتعال خلافات داخل أغلبيتها النيابية، ولأنها لو كانت احترمت الآجال الانتقالية المنصوص عليها في الدستور لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ما كنا سنضطر إلى العودة للحديث عن هذه القضية كلما استجد مستجد.

 ولذلك فإن التأخر في استكمال جزء مهم من المنظومة الدستورية الجديدة، خصوصا ما يتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية يتسبب في استدامة النقاشات المفتعلة، التي قد تتخذ طابع العنف اللفظي في بعض الأحيان، وتخلف ركاما من الأسئلة الحارقة حول التداعيات والتأثيرات التي قد تترتب على هذا التماطل و التأخير‪ .

وبالعودة إلى ما جرى، بمناسبة مناقشة البرلمان بغرفتيه لمشروع القانون المتعلق بالقانون الأساسي لبنك المغرب، فإن معطيات هامة تكتسي طابع الخطورة تتجلى في هذا الصدد، الأمر الذي دفع الفريق الاستقلالي إلى الامتناع عن التصويت عليه، وهو تصويت يجد مبرراته و تفسيراته في الحقائق التالية‪ :

من جهة، لا يمكن الاهتمام بالجزء على حساب الجوهر، الذي هو الكل في هذه الحالة، فالأصل هو تنزيل التفعيل الرسمي للغة الأمازيغية من خلال تشريع قانون تنظيمي، هو امتداد وترجمة لأحكام الدستور، ومن العبث أن يتم التعامل مع اللغة الأمازيغية بمنهجية التحايل والإلهاء، عبر ادعاء الاهتمام باللغة الأمازيغية في بعض من فصول القوانين، بما يعطي صورة غير صادقة، بيد أن الإرادة الصادقة كانت و لا تزال تحتم تشريع قانون تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، و لذلك لم يستسلم الفريق الاستقلالي لهذا الإغراء، الذي يدر الرماد في العيون ، و طرح الفريق عمق وحقيقة المشكل و امتنع عن التصويت‪ .

ثم إن مشروع القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية موجود تحت قبة البرلمان، لكنه يوجد في وضعية مأزق حقيقي، والسبب هو التباينات الحادة بين مكونات الأغلبية نفسها ، وهذه ظاهرة غريبة أضحت ملازمة لهذه الحكومة و لأغلبيتها التي تحولت إلى معرقل للتشريع في البلاد، فمنطق الأمور يقول إن مشروع القانون يحال على البرلمان، بعدما تكون الحكومة قد تداولت في شأنه، ومشاريع القوانين التنظيمية تمر من الحكومة إلى المجلس الوزاري قبل أن تلج البرلمان، وهذا يعني أن الحكومة تكون متفقة على جميع مشاريع القوانين قبل إحالتها على البرلمان، بل هي تحال باسم الحكومة وليس باسم وزير أو فريق حكومي، لأن الحكومة تشتغل، أو هكذا يبدو، بمنطق التضامن و الانسجام، وهذا يعني أيضا بمنطق الدستور أن الأغلبية النيابية هي التي أفرزت الحكومة، وبالتالي فإنها سندها الدستوري القوي، ولذلك لا يفهم المغاربة كيف تنتقل مشاريع القوانين من الاتفاق داخل الحكومة إلى الخلاف الحاد والعنيف بين الأغلبية النيابية؟ إننا نقول في هذه الحالة، بأن الأمر تحول في عهد هذه الحكومة إلى ملهاة أو إلى فرجة ليس أقل و لا أكثر. 

ورغم أن الفريق الاستقلالي قدم تعديلاته داخل اللجنة على مشروع القانون التنظيمي للغة الأمازيغية، إلا أن الأغلبية الحكومية امتنعت عن تقديم تعديلاتها على هذا القانون طيلة ستة أشهر مما اعتبر معه الفريق الاستقلالي أن تشكيل تلك اللجنة الخاصة، كان الهدف من ورائه افتعال مبررات لإقبار مشروع القانون، و أعلن الفريق الاستقلالي بسبب ذلك انسحابه من تلك اللجنة، مطالبا بإخضاع مشروع القانون إلى مسطرة التشريع العادية ليتحمل كل طرف مسؤوليته التاريخية في هذا الشأن.

وحصل كل ذلك بسبب التباينات والخلافات بين المكونات السياسية للحكومة، وهو أمر تتحمل فيه رئاسة الحكومة والحزب الأغلبي مسؤولية كبيرة.

و من النتائج الوخيمة لهذا الوضع وجود مشروع قانون تفعيل اللغة الأمازيغية في مأزق حقيقي، ومرة ثانية لم يكن مقبولا التعتيم على هذا المأزق بصورة ليست صحيحة ولا صادقة في مضمونها‪ .

من جهة ثالثة، فإن ما يحدث يؤشر على ممارسة شاذة و خطيرة تتمثل في سريان مفعول قوانين لا تزال محل دراسة و مصادقة تحت قبة البرلمان، كما هو الشأن مثلا بالنسبة لقانون إطار التربية والتكوين الذي يوجد هو الآخر، بسبب التباينات الحادة بين مكونات الأغلبية  في مأزق ، لكن كثيرا من بنوده و مقتضياته دخلت حيّز التنفيذ بأثر سابق على التشريع، و هي ممارسة دستورية غريبة وعجيبة، وهو نفس السلوك الذي يجري الاجتهاد لتجريبه بالنسبة للقانون تفعيلا للطابع الرسمي للغة الأمازيغية من خلال التجزيء والتشذير لأحكام مشاريع القوانين والتعامل بانتقائية مع مضامينها والتحايل في تطبيقها مشتتة هنا وهناك، وهذا سلوك مرفوض بالمطلق‪ .

إن تصويت حزب الاستقلال بالامتناع على مشروع القانون المتعلق بالقانون الأساسي لبنك المغرب، يؤكد حرص حزب الاستقلال على التسريع بتنزيل القانون التنظيمي لتفعيل اللغة الأمازيغية لكي تجد هذه اللغة مكانتها الطبيعية في الحياة العامة، وفي المجتمع كلغة رسمية منصوص عليها في دستور يمثل التعاقد الرئيسي في البلاد، ولأن الأمر يتعلق أيضا بمكون رئيسي من مكونات الهوية الوطنية‪ .

              



الاشتراك بالرسالة الاخبارية