Menu

افتتاحية العلم.. الحكومة منشغلة بالتوازنات المحاسباتية و لا يهمها معاناة المواطن




افتتاحية العلم.. الحكومة منشغلة بالتوازنات المحاسباتية و لا يهمها معاناة المواطن
من المعطيات المثيرة للاستغراب والاستهجان بصدد مشروع القانون المالي لسنة 2019 أن الحكومة عِوَض أن تبادر إلى تخفيف العبء الضريبي على المواطنين، خصوصا من ذوي الدخل المحدود والمتوسط، فإنها عكس ذلك تماما لم تدخر جهدا في تضريب مواد استهلاكية وخدمات جديدة لتزيد من إثقال كاهل المواطنين، وهي بذلك تتراجع عما سبق وروجت له قبل أسابيع قليلة، وعند تقديمها وتسويقها لمشروع القانون المالي أمام المؤسسة التشريعية وخارجها، من أنها حريصة على دعم الطبقة المتوسطة وحماية القدرة الشرائية وتحسين مستوى المعيشة، لأنها أضافت بهذا التضريب الجديد ضربة عنيفة ومؤلمة أخرى للطبقة الوسطى والفئات الهشة التي ستدفع من جيبها الكلفة المضافة من جراء هذا التضريب الجديد، الذي لا توازيه أي زيادة في الأجور المجمدة منذ سنة 2012.

ولاحظ المغاربة كيف أن الحكومة تفتقد إلى رؤية بعيدة المدى ومبتكرة في مجال التضريب، وإلى سياسة متناسقة ومتكاملة في هذا الصدد، و هذا يعني أن الهاجس الرئيسي والوحيد الذي يسكن الحكومة يتمثل أساسا في الهاجس المحاسباتي، مما يكشف عن عجز مفصلي معيق في إبداع الحلول ضمن استراتيجية واضحة المعالم، ذلك أن الحكومة لم تعد تقتصر على تضريب المواد الاستهلاكية الرئيسية والخدمات الكبرى، بل زادت عن ذلك بأن اتجهت إلى البحث عن التضريب في تفاصيل غير مسبوقة من قبيل الضريبة العقارية والضريبة على السكن الرئيسي، وتضريب عقود الوعد بالبيع التي سيتحملها المواطن مرة أخرى، ولا سيما بالنسبة للفئات التي تعبئ كل مدخراتها لتسديد ثمن شقة اقتصادية لا تتعدى 140 ألف أو 200 ألف درهم، زيادة على واجبات التوثيق والتسجيل والتحفيظ..

حقيقة أخرى تؤكد أن الحكومة ليست منشغلة بالمرة بحماية القدرة الشرائية، بما في ذلك بالنسبة للطبقة الوسطى التي تتغنى الحكومة بدعمها دون كلل ولا خجل، ذلك أن مشروع القانون المالي كان فرصة سانحة لضبط أسعار أحد أهم المواد الاستهلاكية، ويتعلق الأمر بأسعار المحروقات التي لا زال المواطن يجهل كل الجهل كيفية تحديدها وضبط هوامش الربح فيها.

كان بإمكان الحكومة أن تعيد النظر في قيمة الضريبة المفروضة على المحروقات، ليس من خلال التراجع عنها، ولكن عبر تحديد نسبتها بالنظر إلى مستوى أسعار المحروقات، إذ كلما ارتفعت هذه الأسعار، انخفضت قيمة هذه الضريبة، وكلما انخفضت أسعار المحروقات عادت نسبة الضريبة إلى مستواها الطبيعي، وهكذا تساهم الدولة في التخفيف من عبء الارتفاع المهول في أسعار هذه المواد دون أن تفقد شيئا من مداخيلها الضريبية، و كل ما في الأمر أنها لن تستفيد من ارتفاع مداخيل الضريبة موازاة مع ارتفاع أسعارالمحروقات، بمعنى أن الدولة لن تزيد من حجم معاناة المواطنين جراء تقلبات أسعار المحروقات.

لم تفعل الحكومة ذلك، وتركت الحبل على الغارب، وراحت تكد و تجتهد في فرض ضرائب جديدة ستزيد من إضعاف وإنهاك القدرة الشرائية للمواطنين خصوصا من ذوي الدخل المحدود والمتوسط، من الطبقتين المعوزة والمتوسطة، ولم تفعل ذلك لأن إعمال هذا الحل الموضوعي والمنصف يستدعي التفكير والإبداع والجرأة، ولأنها تدبر المعادلة الاجتماعية بمنطق الربح والخسارة الذي يروم تحقيق التوازنات الحساباتية برؤية قصيرة المدى، وهو منطق لا يمكنه أن يسري على مجال التوازنات الاجتماعية، التي هي عصب الاستقرار ورافعة أساسية لجذب الاستثمار وإنتاج النمو الاقتصادي.

لذلك وغيره كثير، مما وقفنا عليه في افتتاحية يوم أمس، لم يحظ مشروع القانون المالي الجديد بثقة فريق حزب الاستقلال بمجلس النواب.

              



الاشتراك بالرسالة الاخبارية