Menu

افتتاحية العلم : الرعاية الاجتماعية.. أولوية الأولويات




افتتاحية العلم : الرعاية الاجتماعية..  أولوية الأولويات
لا شك في أن الحكومة قد تأخرت كثيرا في الاشتغال على ملف الحماية الاجتماعية. فسواء تعلق الأمر بالحكومة السابقة أو الحالية فإنهما ظلتا لمدة طويلة مترددتين في فتح هذا الورش الاستراتيجي الذي يرهن نجاح باقي الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية. ويبدو أن هذا التردد كان سيطول ويمتد لولا الرجة التي أحدثها الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش المجيد، والذي وضع خارطة طريق استعجالية وإجرائية لمواجهة الاختلالات المسجلة وإخراج إصلاح الحماية الاجتماعية من رفوف الحكومة.

ويسجل الفاعلون والرأي العالم أن الحكومة الحالية، وعلى غرار سابقتها، لم تُقدم على أية استراتيجية كبرى في المجال الاجتماعي وفق رؤية مندمجة ومتكاملة التدخلات، بل اكتفت بإعادة تشغيل وتدوير البرامج الاجتماعية المعتمدة سلفا، ولا سيما في عهد حكومة الأستاذ عباس الفاسي، سواء تعلق الأمر بنظام (راميد) الخاص بالتأمين الصحي للفئات المعوزة، أو ببرنامج (تيسير) الخاص بالدعم المالي للأسر المعوزة لتشجيع التمدرس، أو بصندوق التكافل الاجتماعي، بل ولم تنجح حتى في ضمان ديمومة هذه البرامج بالحكامة الناجعة والتمويلات الكافية والمساطر الإدارية المبسطة التي تُيَسِّرُ وصول الدعم إلى الفئات التي تستحقه.

وقد تتبع الرأي العام، وقبل ذلك الأسر المستهدفة من الدعم، كيف توقفت المساعدات النقدية لبرنامج (تيسير) لأكثر من سنتين، وكيف تم إغراق برنامج (راميد) بملايين المنخرطين غير المعوزين، وبالتالي عجزت المستشفيات عن تقديم الخدمات المناسبة والملحة للفئات الفقيرة فعلا، وكيف ظلت التغطية الصحية للطلبة حبرا على ورق أمام التعقيدات البيروقراطية، والأمثلة كثيرة... وظللنا على هذا الحال إلى أن جاءت المبادرة الملكية مرة أخرى، حيث أولى جلالته الرعاية الاجتماعية عناية خاصة في الخطب الملكية التي وجهها جلالته إلى الشعب المغربي خلال الفترة القصيرة الأخيرة، كما حرص على ترؤس اجتماعات خاصة لإعادة هذا الورش إلى أولى أولويات الأجندة الحكومية والإسراع بتفعيله بالنظر إلى الخصاص المسجل على مستوى الحماية الاجتماعية ببلادنا.

وبما أن الحكومة استفاقت أخيرا من سباتها في هذا الشأن، فإن المغاربة يتطلعون إلى أن تكون لها هذه المرة إرادة حقيقية للعمل في هذا الاتجاه، ولا يكون الأمر مقتصرا على تنظيم مناظرة وفسح المجال للخبراء لقول ما يرونه مناسبا على أن يمضي بعد ذلك كل إلى حال سبيله، ونعود إلى الواقع المعيش الذي ألفناه منذ طلت علينا هذه الحكومة.

يجب على جميع الأطراف، وفي مقدمتها الحكومة أن تدرك حجم وأهمية قضية الحماية الاجتماعية، إنها تعني أنه ثمة فئة أو فئات من الشعب المغربي عاجزة عن مسايرة ركب التنمية بسبب الاختلالات البنيوية والأعطاب الكبيرة في توزيع الخدمات الاجتماعية بعدل وإنصاف بين جميع المواطنين، وكذا كنتيجة التفاوتات المتفاقمة في توزيع منافع الثروة الوطنية.

ذلك، أن بلادنا رغم ما حققته وما تزال من مكاسب مهمة في المجال الاقتصادي وفي البناء التنموي، إلا أن ذلك يبقى ناقصا أو بدون فائدة كبرى بسبب أن عائدات هذه المكاسب لا تصل إلى فئات عريضة من المعوزين والفقراء الذين يواجهون صعوبات كبيرة في الولوج إلى خدمات الصحة والتعليم والسكن والنقل، ولا يسعفهم المدخول المالي اليومي أو الشهري المحدود وغير القار في تلبية الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.

فمن واجب الدولة التدخل العاجل لتصحيح هذه الفوارق من خلال برامج اجتماعية حقيقية قادرة على إسعاف هذه الفئات وتمكينها من شروط العيش الكريم، ويجب أن تشمل هذه البرامج تحسين الدخل وضمان الولوج إلى خدمات الصحة والتعليم والسكن والنقل وغيرها من الخدمات الاجتماعية، على أن تصل هذه الخدمات إلى مستحقيها فعلا، وهذه إشكالية أخرى من الإشكاليات الكبيرة التي عجزت الحكومتان السابقة والحالية على إيجاد حلول عملية لها.

والحقيقة أن قضية الحماية الاجتماعية قد أخذت ما يكفي من وقت للتفكير والتنظير والدراسة المقارنة، ولا بد اليوم من أجرأة لسيناريو الإصلاح بكيفية تشاركية، ومباشرة العمل من خلال تطوير وتحسين وتصحيح البرامج الاجتماعية الموجودة أصلا، شكلا ومضمونا، وضمان تعميمها على الفئات المستحقة لها، وذلك في إطار من التجانس والإلتقائية، والعمل من جهة أخرى، على إبداع وابتكار برامج اجتماعية أخرى تدعم وتعزز الحماية الاجتماعية بالنسبة لكثير من الفئات، من ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة والمسنين والمتقاعدين والأطفال والنساء في وضعية صعبة وغيرهم.

نستحضر في هذا السياق أن جلالة الملك محمد السادس أمر بإخراج "السجل الاجتماعي" إلى حيّز الوجود، وهذه آلية رئيسية وأساسية للاشتغال على ملف الحماية الاجتماعية، لأنها تضمن تحديد الفئة المستهدفة والمستحقة، وضمان إلتقائية مجدية لكافة البرامج المشتغلة على هذا الملف، ولا ندري إلى أين وصلت الحكومة في عملها من أجل إخراج هذا المشروع الرائد قبل انعقاد المناظرة؟.

إننا نؤكد أن ملف الرعاية الاجتماعية من الملفات الكبرى التي تتطلب معالجة خاصة واستثنائية، ويستوجب تسخير جهود وإمكانيات كبيرة، ولا يحتمل التسويف والمماطلة.

              



الاشتراك بالرسالة الاخبارية