Menu

افتتاحية العلم: في إضفاء المعنى السياسي على النموذج التنموي




افتتاحية العلم:  في إضفاء المعنى السياسي على النموذج التنموي
 
يؤكد حزب الاستقلال من خلال التقرير السياسي الهام الذي افتتح به الأمين العام لحزب الاستقلال اجتماع الدورة العادية للمجلس الوطني لحزب الاستقلال في نهاية الأسبوع الماضي أن النموذج التنموي الحالي ليس بالبساطة التي يريد البعض إلباسها له، بل إن النظر إليه يجب أن يتم من جوانب كثيرة مع إعمال الموضوعية والواقعية، فهو ليس فاشلا بالمفهوم الذي يراد التسويق له، و إنما هو نموذج بلغ مداه و استنفد إمكاناته، وأنه أتاح تحقيق العديد من المكتسبات من تدارك الخصاص المتراكم وإنجاز إصلاحات اقتصادية هيكلية ومُهيكلة، ونجح في فتح أوراش تنموية كبرى خصوصا فيما يتعلق بالبنية التحتية ومكن من إخراج مخططات تنموية رائدة ومكن من الرفع من الدخل الفردي وساهم بشكل كبير في تحسين معدلات العديد من المؤشرات السلبية خصوصا المتعلقة بالفقر والهشاشة الاجتماعية، وفي المقابل ساهم في الرفع من العديد من المعدلات في قطاعات التعليم والصحة والتغطية الاجتماعية وغير ذلك كثير. لذلك لا يمكن القبول بتبخيس النتائج الجيدة التي تحققت بفضل النموذج التنموي الذي ساد لحد الآن.
 
صحيح القول بأنه كان بالإمكان تحقيق نتائج أفضل وأحسن لولا المعيقات الكثيرة التي واجهت هذا النموذج، وأمام حجم الأعطاب الحكاماتية والاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت طيلة عقود.
 
والحقيقة أن هذا النموذج استنفد قدراته على خلق التنمية بنجاعة وإنصاف، ولم يعد قادرا على مواكبة التحولات الاجتماعية وأصبح عاجزا عن مسايرة مستلزمات النمو الاقتصادي، فمنسوب الطلب الاجتماعي ارتفع بشكل كبير جدا نتيجة عوامل ديموغرافية ونتيجة تغير ملحوظ في طبيعة الطلب الاجتماعي نفسه، وقد يعود ذلك إلى عدم قدرة النموذج التنموي السائد على التكيف مع هذه التحولات وفشله في مسايرتها عبر تحيين مستمر للأولويات وتقييم السياسات العمومية السائدة، لذلك كانت ولا تزال مبادرة جلالة الملك محمد السادس نصره الله بالدعوة إلى بلورة تصور جديد للنموذج التنموي تكتسي أهمية بالغة لأنها تضع الأصبع على موطن الاختلال في مسار السعي نحو تحقيق تنمية شاملة وحقيقية .
 
ويسجل التقرير السياسي للأمين العام لحزب الاستقلال الأهمية الاستثنائية التي يكتسيها المنحى التشاركي المفتوح الذي أكد عليه جلالة الملك في هذا الصدد، بما يحقق التفكير الجماعي حول هذا الورش الاستراتيجي، وهو ما يضع هذه القضية الهامة في صلب اهتمام المجتمع برمته. وهو بذلك لا يستحمل أن يحشر في المساحة الضيقة التي تجعله كرة تتقاذفها الحسابات السياسية بين الأغلبية والمعارضة أو بين الفاعلين السياسيين والفاعلين في المجتمع المدني، بل بالعكس من ذلك تماما يجب أن يكون هذا النموذج موضوع تعاقدات وتوافقات كبرى بين مختلف الفاعلين والقوى الحية في البلاد عبر حوار وطني تتسع فيه مساحة الاشتغال أمام الجميع ويكون بمقدوره استيعاب مختلف التصورات والعروض.
 
ويحرص حزب الاستقلال على التذكير بهذه المناسبة على ضرورة أن يندرج النموذج التنموي الجديد في إطار المشروع المجتمعي المشترك الذي يحدد الدستور مقوماته الأساسية في :
 
الثوابت الجامعة للأمة بما فيها الخيار الديموقراطي في ظل الملكية الدستورية والديموقراطية البرلمانية والاجتماعية .
 
تمفصل الديموقراطية التمثيلية والديموقراطية التشاركية .
 
تثمين و صيانة التنوع الثقافي واللغوي في إطار الوحدة الوطنية.
 
اعتماد منظومة متقدمة في الحقوق بمختلف أجيالها.
 
تكريس مقومات المواطنة الكاملة في توازن بين الحقوق والواجبات.
 
ضمان حق الملكية وحرية المبادرة والمقاولة والتنافس الحر والشريف.
 
ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب
 
ويتضح من خلال التأكيد على هذه المراجع الهامة أن الأمر لا يتعلق ببرنامج من البرامج الكثيرة التي تملأ ساحة النقاش العام، بل إن الأمر في جوهره يتعلق بدستور جديد في مجال التنمية يستند إلى تعاقد عام بين جميع الفاعلين داخل المجتمع.
 
ومن هذا المنطلق فإن المقاربة التشاركية التي حرص جلالة الملك على إعمالها في هذا الصدد تعكس هذا الفهم العميق لما نحن بصدده، وهي المنهجية الفعالة والصائبة التي اختار جلالته اعتمادها في القضايا المصيرية التي تهم راهن ومستقبل الأمة المغربية، وحزب الاستقلال إذ عبر عن اعتزازه بإعمال هذه المقاربة التشاركية فإنه عبر عن استعداده الكامل للمساهمة من موقعه في بلورة تصور مهم للنموذج التنموي الجديد اشتغل عليه منذ أكثر من سنة وتوج عمله بعرض المشروع على هيئته التقريرية التي صادقت عليه بعد إغنائه وإثرائه.
 
وتوقف تصور الحزب عند ضرورة إضفاء المعنى السياسي على هذا النموذج وجعله طفرة قوية تضخ دماء جديدة في المسار الإصلاحي والانتقال الديموقراطي في بلادنا، في إطار قناعة تؤكد أن الإصلاحات السياسية والديموقراطية يجب أن تكون محور كل التعاقدات المجتمعية ومدخلا حاسما لتحقيق القطائع والانتقالات الفعلية وإنجاز الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، وفي إطار فهم صحيح يعتبر أن أزمة التنمية في بلادنا لا تنفصل عن أزمة حكامة السياسات و أن تراجع "السياسي" أضحى الْيَوْمَ معطلا وعامل انحسار للنموذج التنموي السائد حاليا.
 
فالنموذج التنموي لا يمكن أن يحشر في مفهوم ضيق وجاف يقتصر على البحث في أسباب التخلف الاقتصادي، بل لا بد له من أن يشمل الجوانب السياسية التي تضع حدا لأساليب الوساطة النفعية الذاتية، وتهدم حدود الامتيازات والدوائر النفعية، وترسم معالم وضع جديد يستند إلى سيادة مجتمع الحقوق المكفولة لجميع المواطنين ويكون القانون، وليس غير القانون، الحاسم في ذلك على أساس تكريس الثقة في المواطن وبالقطع مع أساليب الدونية والاحتقار في علاقة هذا المواطن بالإدارة وبالمجتمع برمته.
 
لذلك كله وغيره كثير يولي حزب الاستقلال أهمية بالغة لهذه اللحظة التاريخية التي يشتغل فيها المغاربة على البحث على النموذج الصالح لتنمية فاعلة تطال جميع فئات الشعب المغربي بدون أي استثناء.

              



الاشتراك بالرسالة الاخبارية