Menu

افتتاحية العلم.. لابد من الاهتمام بالجوهر




افتتاحية العلم.. لابد من الاهتمام بالجوهر
ألقى التقرير الجديد الذي صدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالمغرب في مرتبة جد متأخرة فيما يتعلق بمستوى التنمية البشرية في العالم ،بحيث تأخرت بلادنا   عن دول تعرف نزاعات مسلحة وحروبا. 
قد نتفق مع ما جاء به هذا التقرير الأممي، كما أننا يمكن أن نختلف معه ، ولذلك فالنقاش الحقيقي لا يجب أن يقتصر على مصداقية هذا التقرير فيما يتعلق بتعامله مع الحالة المغربية ، وحول ما إذا كان المغرب يستحق مرتبة متقدمة نسبيا ، أو ظلم في هذا التصنيف الجديد ، ولكن النقاش الحقيقي والاهتمام الفعلي يجب أن ينصب حول الأسباب والمعطيات التي وضعت بلادنا في هذا الوضع المتأخر جدا. 
الأكيد أن الإجماع قد حصل داخليا قبل أن يأتينا من الخارج بأن النموذج التنموي الذي اعتمده المغرب انتهت صلاحيته و لم يعد نافعا ، و هذا ما أكد عليه جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، ودعا الحكومة إلى ايجاد نموذج تنموي جديد يستجيب للانتظارات و يستوعب الحاجيات ويحقق النتائج المرجوة ، وأجمعت على ذلك كل القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمهنية في البلاد. 
التفاعل الحقيقي مع مضمون هذا التقرير يجب إذن أن يستند إلى مواجهة القضايا و الإشكاليات و الأسباب التي دفعت ببلادنا إلى تلك المرتبة المتأخرة جدا ، لأن الذين يناقشون القشور في هذه القضية يَرَوْن أن المغرب كان يستحق ترتيبا أفضل ، و أن أوضاعه الاقتصادية و الاجتماعية أحسن  حالا من كثير من الدول التي تقدمت عليه بمراتب كثيرة أو قليلة ، لأنه وإن صحت وجهة النظر هذه فإنها تبقى نسبية جدا لأن تقديم المغرب ببعض المراتب قد يجبر الخاطر، و لكنه لا يجيب في عمقه عن الأسئلة الحقيقية التي يطرحها مضمون التقرير على بلادنا . 
فأوضاع التعليم لدينا متخلفة و متردية ، و أنتجت لحد الآن تعليما يكاد يكون نخبويا غير ذي جدوى يفرخ جحافل من العاطلين لأن سوق الشغل لا يقبل ما حصل عليه المتمدرسون من معارف و من مهارات ، و إذا كان هذا حال الشباب المتمدرس الحاصل على الشهادات العليا ، فماذا عسانا نقول عن الشباب الذي لفظته أسلاك التعليم دون شهادات و ألقت به خارج منظومة التربية والتكوين ، و ماذا عسانا نقول عن الشباب الذي لم ينل حظه من التعليم أصلا ؟ 
إن التعليم يمثل الوسيلة الأساسية  نحو الارتقاء الاجتماعي المشروع لجميع أبناء الوطن في إطار المساواة بين الجهات و الفئات و الجنسين ، وحينما تقفل مسالك هذا السبيل أمام أبناء الفئات المعوزة وذات الدخل المحدود والمتوسطة ، فإنه في هذه الحالة يستحيل الحديث عن تنمية عادلة ومنصفة ومستدامة.
و حينما يواجه المجتمع  عجزا بنيويا في المجال الاجتماعي ، في الصحة ، و في الحماية الاجتماعية ،وفي التعليم الملائم، و في السكن، و في غيرها  من الخدمات الأساسية، فإن الحديث عن تحقيق تنمية بشرية إدماجية يصبح ضربا من الخيال.
وإن تقليص مساحات المشاركة السياسية ، وإقصاء فئة الشباب وبصفة خاصة الفتيات يعكس ضيقا كبيرا و شديدا في المقاربة المعتمدة  في  صنع ووضع السياسات العمومية ، ولعل هذا ما ينتج الشعور بعدم الانتماء لهذه السياسات و يضعف من معدلات التعبئة ويخفض من مستويات الحماس الوطني ، و من الطبيعي أن ينتهي كل ذلك إلى وجود اختيارات عمومية - حتى لا نقول سياسات عمومية - في مختلف المجالات لا تعني جميع المواطنات والمواطنين.
نعم ، و هذا يسجله تقرير برنامج الأمم المتحدة حول التنمية البشرية ، فإن بلادنا حققت العديد من الإنجازات مما مكنها من تحسين نسبي لمؤشرات التنمية البشرية ، كما ارتفع معدل العمر المتوقع عند الولادة ، و زيادة متوسط سنوات الدراسة ، و ارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي و غير ذلك مما لا يتسع المقام له ، و لكن لا بد من استحضار حقيقة مهمة مفادها أن المغرب لا يتقدم وحيدا بينما دول العالم تبقى جامدة في مواقعها ، بل إن التطور يحصل في إطار دينامية عالمية ، وهنا نسجل إن وتيرة النمو والتطور في المغرب بطيئة جدا مقارنة مع مايحصل في أقطار أخرى، و مقارنة مع الإمكانيات المتاحة ، و إن حصل التطور فإنه يبقى نسبيا لا يستجيب للنمو الديموغرافي المطرد وللحاجيات المتنامية للمواطنين . لذلك وجب أن ينصب الاهتمام على السبل الكفيلة بضمان تسريع حقيقي لمسارات النمو في البلاد من خلال    القضاءعلى الكوابح التي تعيق ذلك.
و حينما تتبدل الأسباب والمعطيات فإن المغرب سيتقدم بمراتب معقولة و بصفة مستحقة في التنميةالبشرية ، ليس في التقارير الدولية فحسب ، و لكن -في الواقع الذي يعيشه المغاربة.

              



الاشتراك بالرسالة الاخبارية