Menu

الأخت رفيعة المنصوري : المجلس الأعلى للحسابات يطالعنا سنويا بتقارير سوداء عن هشاشة الحكامة التدبيرية




طبقا لأحكام الفصل 148 من الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب عقد مجلس النواب يوم الاربعاء 12 دجنبر 2017 جلسة عمومية خصصت لمناقشة العرض الذي ألقاه السيد الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات حول أعمال المحاكم المالية، أمام الجلسة العامة المشتركة بين مجلسي البرلمان، وقد تميزت هذه الجلسة بالكلمة التي تقدمت بها الاخت رفيعة المنصوري باسم الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية جاء فيها:
 
بداية لابد أن أسجل مرة أخرى بأسف كبير غياب الحكومة عن جلسة دستورية هامة، من المفروض أنها وطبقا للمادة 148 من الدستور، تكون مخصصة لمناقشة التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات مع حكومةالأربعين وزيرا، وليس مع طيفها أو 3 وزارء،اللهم أنه استهتار حكومي بالسلطة التشريعية وتبخيس لعملها ودرورها الرقابي والتقييمي لعمل الحكومة، وهو أمر غاية في الخطورة، ويضرب في العمق مصداقية المؤسسات.

نناقش سنويا تقارير المجلس الحسابات، وفي الحقيقة نكاد نجد أنفسنا نكرر دورا روتينيا مملا للأسف الشديد، ما دام المجلسيطالعنا سنويابتقارير سوداء عن هشاشة الحكامة التدبيرية، بل بعدد مخيف من الجرائم المالية، في غياب أي تحسن يدكر في المقابل، لكن المناسبة شرط ولابد أن نوجه بداية ملاحظتين أساسيتين بخصوص عمل المجلس الذي ننوه بعمله رئيسا وأطرا، نؤكد في الفريق الاستقلالي اعتزازنا بجديته وحرصه على النهوض بمهامه الدستورية كاملة

أولا: ننبه إلى ضرورة تجنب الانتقائية في عمليات المجلس، ( حساسيات بعينها أو مؤسسات بعينها فلا أحد فوق القانون، وبلادنا هي دولة مؤسسات لا أشخاص)
ثانيا: نؤكد رغبتنا الكبيرة في توسيع قاعدة الافتحاص والتدقيق والمراقبة التي يقوم بها المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات، والقاعدة أننا في الفريق الاستقلالي بمناسبة مناقشة الميزانية الفرعية للمجلس، نحرص دائما على التصويت بالإيجاب من أجل تمكين المجلس من الموارد البشرية والمادية اللازمة (اللهم أن الحكومة لا تريد توسيع عمليات الافتحاص التي تساعدنا كبرلمان)
 
صحيح أن بلادنا تنعم ولله الحمد باستقرار مهم بفضل تلاحم الشعب المغربي حول مقدساته وثوابته، لكن في المقابل، فإننا نناقش هذا التقرير في سياق وطني استثنائي مطبوع باهتزاز منسوب الثقة لدى فئات عريضة من المواطنين، سياق تتزايد فيه الاحتجاجات الفئوية، وتتعاظم فيه المطالب المطالب الاجتماعية، وتعود معه الهجرة السرية والعلنية، لأبنائنا الذين أضحوا يفضلون المجازفة بحياتهم الغالية، على البقاء رهينة لسياسات عمومية لا تقدم أدنى شروط الأمل في المستقبل، وهو ما تؤكده ببساطة معدلات البطالة المرتفعة في صفوف الشباب التي تفوق 40 بالمئة، وتعززه الرؤية الحكومية القاصرة للحوار الاجتماعي باعتباره صمام أمان الاستقرار، حيث لازالت الحكومة تعاند باقتراح عروض أقل ما يمكن أن نقول عنها، أنها مستفزة واستهزائية.

أحدثكم عن السياق وضعف الثقة، لأقول للحكومة أن أحد الأسباب الرئيسية لتدهوره منسوب الثقة راجع بالأساس إلى:
  • رد فعلها البارد اتجاه مثل التقارير التي بين أيدينا، والتي كشفت عن اختلالات بينة ومقلقة، والتي للأسف ستجد طريقها سريعا نحو رفوف النسيان، خاصة أمام ضعف الإجراءات الجزرية وعدد الملفات المحالة على القضاء
  • راجع بالأساس إلى تفريط الحكومة في مبدأ دستوري مهم وفارق، جاء بالأمل مع دستور 2011، هو مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة
  • راجع بالأساس إلى استكانة الحكومة أمام الفساد، بل وتعايشها معه، وكل التقارير الدولية في هذا المجال تصنفنا في مراتب مهينة
  • راجع بالأساس إلى تعاظم الشعور العام لدى الشباب، بأن المحسوبية والزبونية والريع الاقتصادي ، هي البوابة نحو الارتقاء الاجتماع بدل الكفاءة والاستحقاق والشفافية كمبادئ بشرنا بها دستور 2011، وتخلت عنها الحكومة.
كثيرة هي الملاحظات التي جاء بها التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، ولا يسع المجال هنا للتفصيل فيها، لكننا في الفريق الاستقلالي حريصون في كل مناسبة، على تنبيه الحكومة إلى عدد من الاختلالات التي تستوجب تدخلا حكوميا سريعا وعميقا:

فالتقرير يؤكد مرة أخرى غياب البعد الاستراتيجي في الاستثمار العمومي، وضعف نجاعة ومردودوية هذا الاستثمار ، مما يشكل هدرا للزمن السياسي وللمالية العمومية في آن واحد، ولعل الوضعية المقلقة التي يعيش عليها صندوق الإيداع والتدبير باعتباره وديعا قانونيا لتعبئة موارد الادخار وحمايتها وتثمينها، ومحفظة حكومية استثمارية هامة، خير مثال على عمق الازمة التدبيرية للحكومة، والتي يترأس وزراؤها طبقا للقانون جميع المجالس الإدارية للمقاولات العمومية. وهو ما يعني أن الحكومة تعرف وتبارك السياسات المالية والاستثمارية للمقاولات العمومية،
رغم أن بعضها يكبد المال العام خسائر بملايين الدراهم، في استثمارات خاسرة، تغلب عليها العشوائية وسوء التدبير وأشياء أخرى، وبالتالي تتحمل مسؤولية الإخفاق الكبير الذي كشف عنه هذا التقرير الأسود، أو أن الحكومة تترأس صوريا المجالس الإدارية لهذه المؤسسات والمقاولات العمومية .

السيد الرئيس، إن بناء الثقة كمدخل للمستقبل، يستلزم من الحكومة امتلاك إرادة واضحة، لضمان تشفيف المالية العمومية، ومحاربة الفساد، والتوجه نحو تدبير عمومي جديد ينبني أساسا على تعاقدات واضحة ودقيقة، ويواكبه ربط صارم للمسؤولية بالمحاسبة، وهنا ننبه أن الاختلالات التي شهدها البرنامج الاستعجالي في قطاع التعليم، وفي قطاعات أخرى، في غياب أي محاسبة، أو تحرك صارم من الحكومة، يكرس الإفلات من المحاسبة، ويضعف الثقة خاصة لدى فئة الشباب.

فالشباب المغربي الذي يعتبر الرأسمال الحقيقي لبلادنا، هو في المحصلة من سيدفع ثمن كل هذه الإخفاقات، وعلى رأسها إصلاح صندوق التقاعد، والذي يؤكد التقرير أنه كان ظرفيا ولا يمتلك بعدا استراتيجيا، ففي الوقت الذي يؤكد التقرير  أن مؤشرات ديمومة نظام المعاشات المدنية يتجه رأسا نحو التدهور، فإن الحكومة تؤجل فتح النقاش العمومي حول الموضوع بما يكرس افتقادها للاستباقية، في انتظار استهدافها مرة أخرى لجيوب الموظفين والاجراء، الحلقة الأضعف،  لترقيع اصلاح جديد، دون أي بحث عن أسباب هدر أموال تلك الصناديق والمسؤولين عليها.

السيد الرئيس، إننا في الفريق الاستقلالي لقلقون، ليس فقط بفعل حجم الاختلالات التدبيرية التي كشف عنها التقرير، ولكن أساسا، لأن الحكومة لم ولن تحرك ساكنا للتفاعل السريع والفعال مع توصياته وملاحظاته، وهو ما يولد للأسف الشديد مزيدا من الشعور العام باليأس والإحباط وعدم الثقة خاصة في المؤسسات التمثيلية وهو أمر في غاية الخطورة.
فاللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد..