Menu

الافتتاحية العلم : صمت.. ثم تهديد ووعيد




 

لاحظ الرأي العام الوطني الارتباك الكبير الذي طبع تعامل الحكومة مع حملة مقاطعة بعض المنتوجات الاستهلاكية الوطنية، التي أخذت منحى تصعيديا لافتا منذ البداية إلى الآن. وهو الارتباك الذي تميز  باللامبالاة أحيانا وباستعمال العنف اللفظي أحيانا أخرى، قبل أن يصل مستوى الوعيد والتهديد. ‬

فلا أحد يمكنه أن يستسيغ استعمال عبارات مشينة وغير لائقة في حق الآخرين من طرف أي كان، فما بالك إن كانت صادرة في حق جمهرة من المواطنات والمواطنين من قبل أعضاء في حكومة منبثقة عن صناديق الاقتراع، وخصوصا تحت قبة البرلمان.

ولا يكفي في هذا الصدد تعطيل التضامن الحكومي في المسؤولية، والقول بأن تلك التصريحات لا تلزم الحكومة، رغم أنها قيلت في جلسة دستورية لمراقبة الأداء الحكومي، وذلك بتساوق مع تهرب كثير من الوزراء من الإجابة عن سؤال المقاطعة الذي طرح عليهم أكثر من مرة، والغريب أن بعضهم قال إن الأمر لا يهمه، رغم تداعياته الحالية والمحتملة‪ ‬على‪ ‬حقيقة الأسعار وثقة السوق والمقاولة واستقرار الشغل، وهو ما يستدعي من الحكومة اعتماد تواصل حكيم وهادئ يطمئن المستهلك والمستثمر معا، معززا بالحلول والتدابير المناسبة لمعالجة هذه الوضعية غير الاعتيادية.

الارتباك الحكومي المثير تجسد أيضا في تغاضي الإعلام الرسمي، في البداية عن الخوض في الموضوع رغم أن القضية كانت و لا تزال تحظى باهتمام كبير لدى الرأي العام، إلا أنه و في لحظة مفاجئة أبدى هذا الإعلام اهتماما استثنائيا بحملة المقاطعة وفتح في شأنها نقاشات عامة وفسح المجال للمواطنين للحديث بإسهاب كبير وهذا تفاعل محمود يندرج في صميم العمل الإعلامي بما يقتضيه ذلك من مهنية وتوازن.

وانتهى الصمت أو بالأحرى الارتباك الحكومي بالموقف المعبر عنه بشكل رسمي من طرف الناطق الرسمي باسم الحكومة، فبعد أن امتنع عن التعليق أو الإدلاء بأي تصريح طيلة ثلاثة أسابيع رغم الأسئلة التي طرحها الصحافيون عليه في هذا الصدد، إلا أنه فاجأ الجميع بعد نهاية الاجتماع الأخير للمجلس الحكومي بلغة التهديد والوعيد غير المتوقعة‪ .‬

كان من المفروض أن تتصرف الحكومة بمسؤولية وطبقا للقوانين الجاري بها العمل، إذ كان عليها المبادرة إلى تفعيل المقتضيات الاستعجالية والاحترازية التي ما زال يمنحها إياها قانون حرية الأسعار والمنافسة في ضبط الأسعار وحرية السوق باتفاق مع الفاعلين المعنيين… وغيرها من التدابير المتاحة، لكن الحكومة تحاشت كل ذلك و اختارت، بعد الصمت والتجاهل والاستخفاف، لغة الوعد والوعيد، وهو سلوك لن يزيد القضية إلا تصعيدا و التهابا لأنها لا تملك هذه المرة وسائل منع المواطنين من اختيار ما يريدون اقتناءه و ما لا يريدونه،‪ ‬وهو الحق المكفول بموجب قانون حماية المستهلك الذي يعوزه التفعيل والتطبيق هو الآخر.

مع كامل الأسف فإن الحكومة تعاملت مع موضوع المقاطعة بأسلوب الماضي الذي لا تصلح أدواته وآلياته للتعامل مع  تطورات تكنولوجية واتصالية كثيرة ساهمت إلى حد بعيد في تغيير سلوك الجماعات والأفراد، ولذلك ربما لم تدرك الحكومة أن الأمر يتعلق بتعبير جماعي لا يستهان به سهلت وسائل التواصل الحديثة تأطيره والتعبئة له. وفي هذه الحالة فإننا مطالبون، ليس بالتساؤل عن الجهة المُدبرة لمقاطعة المنتوج الفلاني أو غيره، ولكن وبشكل ملح، محاولة الفهم والاستيعاب الصحيح للأسباب الحقيقية التي مكنت حملة المقاطعة من تحقيق كل هذا الذيوع في زمن قياسي‪ .

كان من واجب الحكومة أن تنجح في استيعاب مضمون هذه اللحظة الجديدة في صنع الرأي العام، والتفاعل معها بنضج وبمسؤولية، وهو ما لم يتحقق إلى حد الآن مع كامل الأسف.

 

الافتتاحية العلم  : صمت.. ثم تهديد ووعيد

              



الاشتراك بالرسالة الاخبارية