Menu

التعادلية الاقتصادية والاجتماعية والنموذج التنموي الجديد..؟




ذ. محــمد السوسي
 
مع الحادي عشر من يناير عام 2021 تكون السنة السابعة والسبعون لتقديم وثيقة 11يناير 44 قد استوفت أيامها وتكون وثيقة التعادلية الاقتصادية والاجتماعية قد استوفت عامها الثامن والخمسين وهما وثيقتان قدمهما حزب الاستقلال إلى كل من جلالة الملك المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه (1944) والمغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه (1963) والى الشعب المغربي.

وتعتبر الوثيقتان معا بمثابة خطة الطريق ومعالم يسير عليهما الحزب لخدمة الوطن والمواطنين وهما في الواقع خلاصة للعرائض والبرامج التي وضعها الحزب وهو يكافح من أجل الحرية والاستقلال والوحدة والديمقراطية طيلة مرحلة الكفاح سواء قبل الاستقلال وما بعد الاستقلال. كما كانت وثيقة مطالب الشعب المغربي (1934) التي قدمت للمغفور له جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه وإدارة الحماية الفرنسية من الوثائق المرجعية لبيان 44 و بيان 63، وبالأخص بالنسبة لوثيقة وبيان التعادلية التي أردنا الحديث عنها اليوم بمناسبة 11 يناير، وفي هذا الشأن يقول المرحوم الزعيم علال الفاسي:

وفي سنة 1934 قدمنا مطالب الشعب المغربي التي كانت صادعة بوجوب قيام توازن في مختلف طبقات الشعب، وضرورة رقابة الدولة على وسائل الإنتاج الكبرى، وقد كانت دراسة دفتر المطالب المغربية في الخلايا الحزبية فرصة لتنوير الرأي الشعبي، ووضعت على بساط الدرس والجدل نقطا مهمة في الاتجاه التقدمي المنشود. (مجلة آفاق صيف 1970).

وقد قدمنا في هذا الركن من خلال السنوات الماضية كثيرا من أحاديث لتحليل الظروف والأوضاع التي أفضت إلى تقديم وضع البيانين معا، ونود اليوم التذكير ببعض ما يتعلق بوثيقة التعادلية الاقتصادية والاجتماعية في حادي عشر يناير 1963 وهي الوثيقة التي نريد اليوم في حديث الجمعة التذكير ببعض ما تسعى لانجازه من خلال العمل الرسمي والشعبي  على السواء، لقد جاءت هذه الوثيقة عقب إصدار دستور 1962 بعد مصادقة الشعب في استفتاء عام عليه. والغاية من تحديد الأولويات في هذا البيان هو عدم ترك الفراغ والأمور للصدفة وأن تكون الخطوط العامة لهذا البيان هي البرنامج الذي على أساسه يخوض الحزب المعركة التنموية المستقبلية، غير أن النية كانت مبيتة لدى البعض من أجل تزييف الديمقراطية وتزوير الانتخابات فكانت مذبحة الديمقراطية في مايو 1963 حيث أسست الإدارة ما أسمته (جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية) وكان الأمر عكس ما ادعي تماما، حيث تم إفساد وتخريب المؤسسات الدستورية.

وعلى أي حال فإن الفكر التعادلي أصبح رافدا أساسيا من روافد الفكر الاقتصادي والاجتماعي في بلادنا، إذ على أساسه كان الرد على كثير من المذاهب والأفكار الرائجة في ذلك الوقت.
وإذ نعود اليوم للتذكير ببعض المضامين كما اشرنا فإن الهدف ليس الماضي ولكنه الحاضر والمستقبل، أن الأمر الأساس الذي يجب القيام به اليوم هو تحقيق العدالة الاجتماعية وإنصاف المظلومين اقتصاديا واجتماعيا أو ما يعرف اليوم في الأدبيات المتداولة بالفئات المهمشة وما كان يعبر عنه وقت وضع بيان التعادلية (بالجماهير المسحوقة) هذه الجماهير والفئات لا تزال تنتظر من ينصفها ويحقق لها ما تسعى إليه وتنشده وهو الإنقاذ من الوضعية المتردية ليس عن طريق الصدقات والهبات أو الرمي لها بالفتات، ولكن عن طريق برامج تنموية تعادلية ليس فيها حيف ضد أي شريحة من شرائح المجتمع المغربي.

إن السعي للوصول إلى ذلك كان من وراء صدور بيان التعادلية، وإذا كان الناس اليوم وبصفة خاصة عندما هاجمت العولمة في العقدين الأخيرين وتمكنت الرأسمالية المتوحشة من خلال هذا الفكر العولمي من إقصاء كثير من المذاهب والأفكار والتوجهات فذلك لأنها ربما فيها نوع من الغلو والتطرف، أما التعادلية فلا تعني إلا خلق توازن داخل المجتمع وإيصال الحقوق لأهلها، وهي فكرة لا يمكن تجاوزها مهما كان المذهب الاقتصادي والاجتماعي الذي يسير عليه الناس دون أن يحدث ذلك خللا في المجتمع يفضي إلى الاضطراب وعدم الاستقرار، وربما إلى حروب أهلية، ولعل ما نشاهده اليوم في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية وغيرها من المجتمعات الأخرى إنما تأتى عن انعدام العدل والإنصاف الاجتماعي فالناس يرفضون الإقصاء والاستبعاد الاجتماعي ويريدون العدالة، والتعادلية إنما هي مفاعلة من العدل. فهما من جذر واحد عدل.

 وسعيا إلى مواصلة العمل والنضال من أجل تعادلية اجتماعية واقتصادية وعدالة اجتماعية حقة نذكر ببيان التعادلية الاقتصادية والاجتماعية. وما سعى ويسعى إليه واضعوه من القضاء على الظلم وتطهير المجتمع من الفساد والمفسدين.وبالأخص ونحن مقبلون حسب الخطة الموضوعة والتي حددها جلالة الملك محمد السادس على بلورة نموذج تنموي جديد ولا إخال هذا النموذج إلا في سياق تحقيق العدالة الاجتماعية وإنصاف الفئات المقصية والمهمشة.
         
مغرب متميز
إن وثيقة التعادلية الاقتصادية والاجتماعية كما أسلفنا هي برنامج العمل والخطوط العريضة التي تستهدف خلق التوازن والمساواة بين الأفراد والجماعات من غير إجحاف بأي فئة ومكانتها، فهي كما وضع الحزب 11 يناير 1963 وأمام الرأي العام الوطني وأنظار المراقبين والباحثين، وبذلك أصبحت بين الناس نظرية مغربية في شكل خطوط رئيسية ودقيقة لبرنامج متكامل يضمن النهوض والتقدم لبلادنا ولكل من رام الأخذ بالوسطية الايجابية في مجال الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وبذلك أصبح المغرب من خلال هذه النظرية متميزا عن غيره من الناس بأنه ليس لديه اختيار بين الشرق أو الغرب فقط، فهو مع هذا وضد ذاك أو ضد هذا ومع ذاك، ولكنه اليوم يقول أنا مع ومع وضد وضد.
ما ترفضه التعادلية
 فهو مع العدالة الاجتماعية وتحقيق تنمية اقتصادية شاملة ومستديمة وهو مع المبادرة الحرة في حدود المصلحة العامة، وهو في نفس الوقت مع قطاع عام قوي يتحكم في القطاعات الإستراتيجية التي لا يمكن للدولة أن تنهض بدونها وهو في نفس الوقت يرفض التحجير على الناس في الملكية الخاصة ما دامت تؤدي وظيفتها الاجتماعية وما دام الناس قد تحصنوا من ان يستغِلوا بالكسر أو يستغَلوا بالفتح، ولكل من الناس أن ينال نصيبه من الثروة التي يجب بمقتضى هذا البرنامج أن يتم خلق المزيد من الثروات، وان يتم توزيعها توزيعا عادلا بين الناس على مستوى الجهات والأقاليم وعلى مستوى الأفراد مواطنين ومواطنات، وقد تضمن البرنامج خطوطا عريضة كذلك لبعض التفاصيل التي تعتبر أساسية في ذلك الحين، والتي تقبل النمو والتطور والتطوير في ميدان التطبيق والتنفيذ شأنها في ذلك شان كل عمل وكل فكر مبني على أسس متفتحة ومنفتحة على تجارب الإنسانية كلها في مختلف عصورها وأماكنها لأن من ألد أعداء هذه العدالة الجمود أو التحجر. 
محاولة الهيمنة
لقد أصبحت الغاية اليوم من كل عمل اقتصادي هو التنمية الاقتصادية والاجتماعية وأصبح اليوم الهدف لدى الناس هو تحقيق ما سمي بالتنمية المستديمة وإذا كان من الضروري أن تتم التنمية فرغم ما يقال من موت الايديلوجية أو المذهبية فإن الواقع يكذب ذلك، فنحن بمقولة موت الايديلوجية أصبحنا نعيش صراعا أخطر من كل صراع سبق إلا وهو صراع العقائد الدينية والمذهبية وتحت مقولة (صراع الحضارات والثقافات) وهي في الواقع ليست إلا تغطية واضحة وصريحة لمحاولة فرض هيمنة حضارة واحدة وعقيدة معينة على غيرها من الحضارات والثقافات وعلى أي حال فما هو منظور مبدع التعادلية الاقتصادية والاجتماعية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. على ضوء مقاصد الشريعة وأحكامها.
ضد الثنائية
إن الحديث عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية في نظر التعادلية وفي المنظور الإسلامي يجب أن يوضع في سياق النصوص الواردة في الموضوع مع تنزيلها على أسس المقاصد التي جاءت بها الشريعة الإسلامية وإن شئت الدقة قلت الإسلام لأنه الكلمة الشاملة والدالة، وقد كان علال الفاسي يرى أن الثنائية في التعبير من شأنها أن تضر بالهدف والغاية من الإسلام أصلا، ولذلك كان يتحفظ على استعمال الإسلام دين ودنيا. فهو يرى ان عبارة الإسلام دين ودولة لا تكفي في توضيح ما يقصده الإسلام والصواب أن يقال أن الإسلام دين وكفى، ولكن الدين له جوانب منها ما يرجع للعقيدة ومنها ما يرجع للعبادة ومنها ما يرجع للأنظمة الأخرى من معاملات وقضاء وحكم (ص:58 دفاع عن الشريعة).
الإسلام وكفى
وهكذا نرى أنه يومن أن في التعبير بالإسلام ما يكفي ليدلك على ما تريد تحقيقه في الحياة الدنيا ولذلك فإن الاستعمال للكلمات هو الذي يضفي عليها هذا المعنى أو ذاك، أو هذه الدلالة أو تلك فالدلالات المقاصدية التي هي بنفسها علم مستقل أو فرع من علوم متعددة أصول بلاغة نحو الخ.
نظرية مغربية إسلامية
ولاشك أن الهدف فيما اختار كلمة التعادلية الاقتصادية والاجتماعية أن تكون نظرية مستوحاة من الإسلام وتوجيهاته وقيمه ومبادئه وهذا ما يؤكده علال الفاسي في قوله:
«إن التعادلية نظرية مغربية إسلامية لتحقيق العدل الاجتماعي وتوزيع الثروات الوطنية توزيعا عادلا وتنمية البلاد تنمية اقتصادية إسلامية لأن التنمية في مفهومه رحمه الله تفقد قيمتها إذا لم تبن على أساس أصول الاقتصاد الإسلامي لأن التخلف هو «بقاء البلاد على مستوى واطئ من التعبئة المادية والبشرية للثروات الوطنية في حدود أصول الاقتصاد الإسلامي».
فصل غير ممكن
هذا ما يقوله الفقيد ولا يمكن في الواقع الفصل بين أصول الاقتصاد الإسلامي ومقاصد الشريعة في هذا الاتجاه الذي هو اتجاه البناء الحضاري بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالة عمرانية حضارية هذا المقاصد التي يجملها في كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها عندما يقول (المقاصد الشرعية والإسلام ص:41)
فكرة العدالة
«لقد ابنا كيف أن فكرة العدالة ظهرت مستقلة عن مجموع الشرائع اللاتينية والانكليزية أي مصدرا خارجا عن القانون والعرف. ويمكن أن نؤكد أن الشريعة الإسلامية كانت بعكس ذلك، لأن مصدرها الوحي القرءاني والسنة المحمدية واجتهاد الأئمة الذي هو بذل الجهد في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة بطريق المنطوق أو المفهوم أو القياس. فالعدالة في الإسلام من صميم التطبيق للأحكام الشرعية وليست نظرية مستقلة عنها.»
إن التعادلية هي مأخوذة من جذر الفعل الذي أخذت منه كلمة عدالة فإذا كان رمز العدالة هو الميزان الذي يجب أن يقام كما يقول القرآن «وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان»، فإن التعادلية هي التوازن بين الأشياء.
مصدر العدالة
وهي في غير ما نص عليه بصراحة تؤخذ من مقاصد الشريعة التي تنطوي على كل ما يمكن أن يقع من حوادث وأحكام، وليست المقاصد الشرعية مصادر تشريع خارجية كما حبب للسيد صبحي المحمصاني ان يفعل في كتابه (فلسفة التشريع في الإسلام) بل الأدلة الأصلية والمقاصد جزء من المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي، والحكم الذي نأخذه بطريق المصلحة أو الاستحسان أو غير ذلك من ضروب المآخذ الاجتهادية يعتبر حكما شرعيا اي خطابا من الله متعلقا بأفعال المكلفين، لأنه نتيجة الخطاب الشرعي الذي يتبين من تلك المقاصد التي هي إمارات للأحكام التي أرادها الله وأرشدنا إليها عن طريق ما أوضحه في كتابه وسنة نبيه من غايات للأحكام ومقاصد للشريعة.
المقصد العام
 ويتحدث علال الفاسي رحمه الله عن الغاية من التعادلية ومن العدالة ومن العمل أساسا وهو عمارة الأرض أي بناء الحضارة فيقول:
والمقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة ومن صلاح في العقل وفي العمل وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع.
الأصول
وهو عندما يقول هذا ويحدد المقصد العام للشريعة إنما يعتمد في ذلك على نصوص الكتاب والسنة وكذلك فكأنه يشعر بسؤال يطرح فيجيب
يدل على ذلك قول الله سبحانه:
وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة؟ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال «إني أعلم ما لا تعلمون» (البقرة آية:30)
إصلاح أحوال الناس
فهذه الآية تدل على أن المقصود من استخلاف الإنسان في الأرض هو قيامه بما طوق به من إصلاحها، والمراد بالإصلاح هنا إصلاح أحوال الناس لا مجرد صلاح العقيدة، كما يبين ذلك قوله في الآية الأخرى (هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه) فاستعمركم اي جعلكم مكلفين بعمارة الأرض. وهذا الإصلاح هو الذي دعا إليه الرسل وظلوا يعملون على تربية الناس عليه عن طريق التذكير بالفطرة وما جبل عليه الإنسان بصفته إنسانا ذا عقل ولغة وتكليف. فلنسمع لموسى يقول لأخيه هارون (اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين).
الصراع من أجل الإصلاح
لعل حجر الزاوية في أوضاع المسلمين اليوم بل الإنسانية بصفة عامة هو الصراع بين دعاة الإصلاح والمفسدين في الأرض، والفساد في الأرض مرتبط أساسا بالاستبداد وبالطغيان وبفرض الأهواء عن طريق التحكم في رقاب الناس وسوقهم سوقا كما يساق القطيع، هذا هو الأمر المرفوض في الإسلام والذي رفضه الرسل والمصلحون من بعدهم في سائر مراحل التاريخ الإنساني وهذا ما يؤكد عليه المؤلف في قوله:
سبيل المفسدين
وسبيل المفسدين هو الذي يقص علينا خبره من أعمال فرعون وملأه (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم انه كان من المفسدين).
فالعتو في الأرض والطغيان وخلق الطبقات وقتل الرجال بغير حق واستحياء النساء للفساد أعظم ما يفسد الأرض، وهو محط المقاومة التي قام بها مومنو آل فرعون وإسرائيل استجابة لدعوة موسى ومن قبله من النبيين. ولنستمع لشعيب يقول لأهل مدين:
(ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) وفي الآية الأخرى:
(ولا تعثوا في الأرض مفسدين).
ولنستمع إليه سبحانه يقول في مواضع أخرى من كتابه الكريم: (فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فاصمهم وأعمى أبصارهم).
وقال تعالى يصف بعض الظالمين: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل).
وقال: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليهم القول فدمرناها تدميرا).
والأمر هنا من الإمارة.
أحكام ومقاصد
بعد أن يستعرض علال الفاسي هذه الآليات كلها ودلالاتها الواضحة التي لا تقبل النقض أو الجدال يستخلص العبرة الضرورية من كل ذلك، ولاشك ان الأوضاع المتردية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الإسلامية حاليا إنما جاءت لأن المسلمين لم يستفيدوا من هذه التوجهات الربانية التي جاء بها القرآن والتي هي حقائق عمرانية حضارية تساندها وقائع التاريخ، فكل علماء تاريخ الحضارات الذين بحثوا أسباب سقوط الحضارات وانهيارها يجدون أسس الأسباب والعلل لذلك في الظلم والطغيان وفي الفساد بمعناه العام، وقد كانت هذه الآيات معززة بواقع التاريخ منطلق فيلسوف العمران البشري ابن خلدون عندما قال إن الظلم يؤذن بخراب العمران ويستخلص علال الفاسي من مجمل هذه الآيات الخلاصة التالية:
الإيمان والعدالة
فمجموع هذه الآيات القرآنية يبين بوضوح ان الغاية من إرسال الأنبياء والرسل وإنزال الشرائع هو إرشاد الخلق لما به صلاحهم وأداؤهم لواجب التكليف المفروض عليهم. فمصدر العدالة الإسلامية هو إيمان المرء بأنه مكلف وينشأ عنه وجوب طاعته للشريعة في أقواله وأعماله وتصرفاته، والشريعة أحكام تنطوي على مقاصد ومقاصد تنطوي على أحكام، وهي ليست من قبيل القانون الطبيعي الموضوع في الخليقة، والذي يكتشفه الإنسان عن طريق الإلهام، غموض يكتشف غموضا ولكنه نظر بالفعل في إطار أصول عامة يهتدي به المكلف بذلك النظر إلى اكتناه أسرار الشريعة ومقاصدها عن طريق اللفظ والمدلول الخاص والعام، وما يدل عليه مجموع تلك الدلالات من مقاصد وأفهام. فالعدل العام الإسلامي لا يقبل التبديل واما الأحكام الجزئية فقد تتغير بحسب الظروف والاعتبارات الزمانية والمكانية لأنها غير مقصودة لذاتها.
الإصلاح والصلاح
ولابد أن يتدبر الإنسان هذه المقاصد والغاية منها وهو الإصلاح والصلاح وتحقيق العدل والعدالة بين الناس ولذلك فإن التفكير العميق لدى الفقيد أداه إلى الوصول إلى أن ما لم يتحقق العدل أي التعادلية بين الناس بعيدا عن الأهواء والمصالح العاجلة والضيقة لبعض المتنفذين والحاكمين فإن المجتمعات ستظل في التيه ولن تخرج منه.
التنمية والنمو
ولهدف تحقيق العدالة هناك ربط بين وأمرين أساسيين في المجتمع الإنساني هما التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية، إن هناك من الاقتصاديين من يعتبر النمو الاقتصادي منفصلا عن التنمية وهناك من يجمع بينهما ولكن الأمر تطور الآن وأصبحت الغاية عند الناس هي التنمية البشرية وهي ما عبرت عنه التعادلية لأنها من الأول كانت التعادلية الاقتصادية والاجتماعية التعادلية الاجتماعية إذ كان الهدف هو إبعاد ما سمي بعد ذلك بالاستبعاد الاجتماعي أي حصر بعض الناس وبعض الفئات أو حتى المجتمعات في نطاق ضيق وحرمانها من كل مظاهر العيش الكريم.
الإنساني العام 
وإنما يقصد منها الوصول لتحقيق العدالة الشرعية. والرأي لا قيمة لأحكامه إذا لم يكن رأيا مسلما، أي إنسانيا بالمعنى الصحيح للكلمة أي مجردا عن الأهواء والشهوات التي تنشأ عن الفساد في الأرض والتي تتنافى مع المقصد الشرعي العام في الصلاح والإصلاح.
التنمية والطريق الثالث
وقبل أن نرجع إلى تحديده لمفهوم التنمية نشير إلى ما كتبه بعض الباحثين في هذا الظرف الذي كتب فيه عن المقاصد وعن التعادلية. لقد صدر في حينه كتاب مترجم من اللغة الفرنسية لباحث في الاقتصاد اهتم بالتنمية الاقتصادية في الإسلام وكان الكتاب بعنوان: (الإسلام والتنمية الاقتصادية) وكان أول باحث آثار موضوع الإسلام والطريق الثالث في التنمية في حدود ما أطلعت عليه وقد أعجبت شخصيا بالكتاب الذي ترجمه الدكتور نبيل فهمي الطويل وانتقده مكسيم ردونسون في كتابه الإسلام والرأسمالية باعتبار أن الباحث لا يزال شابا متحمسا.
نقد مغرض
والواقع إنما انتقده لأنه يقرر أن الإسلام وأسلوب التنمية فيه طريق ثالث ليس رأسماليا ولا اشتراكيا بل ولا مركبا، في حين يرى مكسيم أن الإسلام أقرب إلى الرأسمالية لأنه يقرر الملكية الخاصة ولأن فيه بعض الأساليب والذرائع التي إذا استمرت ستؤدي إلى الرأسمالية ولأن هذا الباحث الشاب يطرح موضوعا أساسا في الموضوع وهو ربط التنمية بالجانب الثقافي والاعتقادي للأمة:
وإذا كان واختيار نظرية التعادلية وتعزيز ضرورة تطبيقها بالنصوص اختيار الشرعية وبتراث وتاريخ وتقاليد المجتمع الإسلامي فذلك إدراكا أن أي تنمية وأي برنامج لا يوتي ثماره إذا كان بعيدا عن عقلية الأمة وتراثها.
ضرورة الجذور
"إن الاقتصاديين في البلاد المختلفة يؤكدون غالبا و بصورة خاصة على التعابير الاقتصادية مثل: -تكون رأس المال، حجم المال المستغل ...الخ متجاهلين هكذا مقاومة العوامل الثقافية والاجتماعية ..."
ويحدد الدكتور علي لطفي في كتابه: "التنمية الاقتصادية" شروط نجاح التنمية الاقتصادية في المجتمعات الإسلامية ويقول:
إن البيئة الاجتماعية وان كانت لم تحظ بالاهتمام الكافي من جانب الاقتصاديين المتخصصين في دراسة مشكلات التنمية، إلا أنها لا تقل أهمية عن أي من العوامل الأخرى سواء كانت مادية أو بشرية أو سياسية بل كثيرا ما تفوقها في الأهمية" وعلى ضوء ما سبق يجب أن يولى موضوع التنمية الاقتصادية في الإسلام – إذا أريد لخطط التنمية الاقتصادية في الدول الإسلامية النجاح – اهتمام بالغ لأمرين:
الأمر الأول: -ضرورة أن يقوم انسجام تام بين ما يعتقده الناس وما يطبق عليهم من تشريعات وما يؤخذون به من ممارسات، فلا يصح إغفال الواقع الاجتماعي وما يشيع فيه من أفكار، لتضرب خطط التنمية جذورها في الواقع الاجتماعي، وتدعم اتجاهات الخير فيه، وتوظفها لصالح نهوضه وتقدمه.
الأمر الثاني: إن النمط الذي يقدمه الإسلام في مجال تحقيق التنمية الاقتصادية نمط فريد ونموذج متميز يخلص عمليات التنمية المعاصرة من سلبياتها ... ويقدم معالجات متقدمة لمشكلات التنمية لابد أن تبلور وتتاح لها فرصة التطبيق والممارسة.
وهذا الأمر تبنته الكثير من الدراسات والبحوث والندوات والمؤتمرات التي عنيت بقضية  التنمية من المنظور الإسلامي مما أكد ان النمط الإسلامي لتحقيق التنمية هو الطريق الأمثل للوصول إلى تقدم اقتصادي حقيقي في البلاد العربية والإسلامية.
عن كتاب التنمية من منظور إسلامي بحث الدكتور عبد السلام العبادي (ج2 ص:656 وما بعدها).
هذه نظرة عجلى على فكرة التعادلية واختيارها وضرورة استهداف الإصلاح والصلاح عن طريقها أحببنا أن نسهم بها في الذكرى الواحدة والخمسين لبيان التعادلية وهو مقال أعيد تحيينه وكان ضمن مقالات ثلاث حول التعادلية.

              


الاشتراك بالرسالة الاخبارية