Menu

التعاقد استثناء في القانون والحكومة جعلت منه سياسة عمومية في التعليم




لقد كشفت الاحتجاجات التي قادها الأساتذة الذين تم توظيفهم بموجب عقود من طرف الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، عن الطبيعة القانونية لهذه العقود من جهة، وعلاقتها بنظام الوظيفة العمومية المؤطر بقانون 24 فبراير 1958 من جهة أخرى . وبينت كذلك الارتباك الحكومي في تدبير ملف التعاقد خاصة في ظل اعتباره تارة خيارا استراتيجيا حكوميا، وتارة أخرى من خلال التوسل به كحل ترقيعي مؤقت دون أن تهتم بتضمينه الحقوق والضمانات الأساسية المكفولة للموظفين ولا حتى العاملين في القطاع الخاص.

عوض أن تجتهد الحكومة في إيجاد حلول ذات مصداقية من شأنها إقناع أساتذة التعاقد بالعودة إلى الأقسام وإنقاذ بنات وأبناء المغاربة من شبح سنة بيضاء، وعوض أن تبادر إلى ترميم ميثاق الثقة المنعدمة مع موظفي التعاقد، اختارت من خلال أحد وزرائها البارزين أن تنهج نهجها المعهود في التنصل من المسؤولية السياسية والتدبيرية وإلقاء اللائمة على غيرها، فلم تجد غير حكومة الأستاذ عباس الفاسي لتحملها بكثير من التحايل وخلط للأوراق مسؤولية هذا الاختيار الذي يعتبر وليدا شرعيا للحكومة السابقة والحالية وواحد من بدعها وإبداعاتها المبتسرة التي أوصلت بلادنا إلى ما نعيشه اليوم من احتقان صعب المعالجة.

ولفضح هذا التلبيس المجانب للصواب، لا بد من التذكير بالوقائع والمعطيات التالية:

1- لقد تطلب تدبير الموارد البشرية في الإدارة العمومية إجراء خمسة عشرة تعديلا على النظام الأساسي للوظيفة العمومية لـ 24 فبراير 1958، كان آخرها التعديل الذي عرفته المواد 6 مكرر والمادة 26 والمادة 38 في ماي 2011. ويعد التعديل الذي طال المادة 6 من خلال إضافة مادة جديدة تضمنت التنصيص على إمكانية لجوء الإدارات العمومية ،وعند الاقتضاء ،إلى تشغيل أعوان بموجب عقود وفق الشروط والكيفيات المحددة بموجب مرسوم. ولا ينتج عن هذا التشغيل في حال من الأحوال حق الترسيم في أطر الإدارة . ومن خلال الأشغال التحضيرية المتعلقة بالدراسة والتصويت على هذا التعديل في مجلسي البرلمان ، يتبين أن فلسفة المشرع اتجهت إلى تجاوز وضعية المتعاقدين في إطار القانون العام والذي تم تحديد مسطرة تسيير مسارهم المهني بمقتضى المنشور رقم 02.3 بتاريخ 5 أبريل 2002 حول الترقية في الرتبة للأعوان المتعاقدين في إطار القانون العام ،الذي عدل المنشور رقم 38 بتاريخ 10 شتنبر 1963 المتعلق بترقية الأعوان المتعاقدين .

2- بسبب الرغبة في تغطية الخصاص الذي كان في بعض المهن التي لا تندرج ضمن مجالات التكوين المهني ، تم إقرار التوظيف بالتعاقد عند الاقتضاء .علما أن التوظيف بالمباراة كان هو الأصل بينما اللجوء إلى التعاقد شكل استثناء. لما يوفره التشغيل عن طريق العقود للإدارة من التوفر على كفاءات نوعية في مهمات معينة ولمدة محددة حتى تبقى مسايرة للعصر وقادرة على مواجهة كل التحديات. وعليه، قامت الحكومة في 9 غشت 2016 بإصدار المرسوم رقم 2.15.770 بتحديد شروط وكيفيات التشغيل بموجب عقود بالإدارات العمومية، والذي فتح الإمكانية أمام تشغيل الأعوان للقيام بوظائف ذات طابع مؤقت أو عرضي في الإدارات العمومية.

3- إن التعاقد الذي تم التنصيص عليه في النظام الأساسي للوظيفة العمومية من خلال الفصل 6 مكرر والمرسوم التطبيقي لسنة 2016 لا يعني حالة الأساتذة المتعاقدين بالأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين ، لان التعاقد الوارد في الفصل 6 مكرر لا يشمل التوظيفات الجهوية و التي لا أساس قانوني لها في نظام الوظيفة العمومية. ذلك، أن الوزارة عوض تنظيم مباريات من قبل وزارة التربية الوطنية في إطار النظام الأساسي لموظفي الوزارة ، توافقت هذه الوزارة مع مصالح وزارة الاقتصاد والمالية على نهج التوظيف بموجب عقود بعيدا عن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية عبر إصدار سند قانوني جديد، لا هو بقانون ولا هو بمرسوم ولا قرار حتى، هو عبارة فقط عن مقرر مشترك (رقم :7975 ) بتاريخ 1 نونبر 2016 غير منشور في الجريدة الرسمية.

4- وخلافا للفلسفة التي حكمت التعاقد في نظام الوظيفة العمومية، والتي شكلت استثناء وفق الفصل 6 مكرر من قانون الوظيفة العمومية، فقد تم اعتماد نظام التعاقد في الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين كوسيلة للتوظيف الرئيسية، بعيدا عن نظام الوظيفة العمومية. وهو ما تحاول الحكومة تكريسه من الناحية القانونية عبر مشروع القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي في المادة 38، عبر جعل آلية التعاقد آلية من آليات التوظيف عبر ما سماه مشروع القانون الإطار بتنويع طرق التوظيف والتشغيل لولوج مختلف الفئات المهنية. علما أن ميثاق التربية والتكوين في مادته 135أ، يربط اعتماد التعاقد بمدد زمنية تدريجية قابلة للتجديد في تلازم مع مبدأ الحفاظ على جودة التأطير، وهو ما أكدته الرؤية الاستراتيجية عبر تأكيدها على إرساء تعاقد ثقة وارتقاء حول الحقوق والواجبات المهنية.

5- إن الحديث عن التعاقد الذي تضمنته المادة 6 مكرر من قانون الوظيفة العمومية في ماي 2011، لا يمت بصلة " للاكتشافات التعاقدية" للحكومة الحالية على اعتبار أن التعاقد في الوظيفة العمومية حصره المشرع في مجال الخبرة، والوظائف ذات الطابع المؤقت أو العرضي، بينما تفتقت عبقرية الحكومة الحالية من خلال جعله الوسيلة الأساسية للتوظيف، بل قامت بسن نظام أساسي خاص على عجل، لكنه لا يزال في روحه وبعض مقتضياته سجينا لمنطق التعاقد الذي تأسس عليه، لا سيما فيما يتعلق بالضمانات التي يكفلها النظام الأساسي للوظيفة العمومية.

لذلك، وبعد هذا التوضيح الذي يفصل بين التعاقد كاستثناء يسنده القانون، والتعاقد الذي جعلت منه الحكومة الحالية وسابقتها توجها وسياسة عمومية في قطاع التعليم، فإن حزب الاستقلال انطلاقا من موقعه كمعارضة وطنية تقترح الحلول والبدائل، فإنها تعتبر أنه حتى لو فرضنا أن خيار تعزيز الجهوية يستدعي اعتماد هذا النوع من التوظيف ، فانه من اللازم على الحكومة أن تقوم بتضمين هذا النظام الأساسي كافة الضمانات الموجودة في النظام الأساسي للوظيفة العمومية و في مقدمها الأمن الوظيفي مراعاة لمهام و خصوصية أدوار المدرس ، على اعتبار أن التوظيف العرضي قد يتناسب مع بعض المهام، غير انه يجب أن لا يشمل مجال التربية و التكوين.

ومن ناحية أخرى ، إذا سلمنا بإمكانية الأكاديميات الجهوية للتربية و التكوين باعتماد نظام أساسي خاص بأطر التدريس ، والذي نرى في حزب الاستقلال انه يجب أن يكون بمقتضى مرسوم كما هو منصوص عليه في المادة 11 من الظهير المحدث للأكاديميات الجهوية، بحيث يحدد المبادئ العامة و الضمانات الأساسية للتوظيف الجهوي المسند للأكاديميات الجهوية ، وما يتطلبه ذلك أيضا من ملاءمة للنصوص التنظيمية التي تسمح لأطر الأكاديميات بالتمتع بحقوقهم في الترقي و الولوج لمهام التوجيه و التفتيش والتقاعد وغيرها..، بما يشكل ضمانة لهذه الفئة على غرار النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية .

              



الاشتراك بالرسالة الاخبارية










نشر هذا الموقع