Menu









العرض السياسي للأخ نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال في الذكرى الخامسة والسبعين لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال





بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتقديم وثيقة 11 يناير 1944 للمطالبة بالاستقلال، ترأس الأخ نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال مهرجانا خطابيا حاشدا، يوم الجمعة 11 يناير 2019، بمنزل المرحوم المجاهد الحاج أحمد مكوار ساحة الاستقلال البطحاء بمدينة فاس، تخليدا لهذا الحدث التاريخي والسياسي الوطني الهام، وذلك تحت شعار "الديمقراطية أساس التعاقد المجتمعي الجديد".


وعرفت أشغال هذا المهرجان الخطابي الكبير، حضورا هاما لأعضاء اللجنة التنفيذية للحزب، بالإضافة إلى الحضور الوازن والمكثف لمناضلات ومناضلي الحزب ولعموم المواطنين الذي حجوا من مختلف جهات وأقاليم المملكة لمتابعة فعاليات هذا المهرجان الوطني الذي انطلق بروح وطنية عالية من قلب المنزل الذي خرجت من رحابه وثيقة المطالبة بالاستقلال.


كما تميز الاحتفال بهذه الذكرى الوطنية المجيدة، بالعرض السياسي للأخ نزار بركة الأمين العام للحزب، الذي عدد من خلاله دلالات ذكرى 11 يناير التاريخية والسياسية، والذي دعا من خلاله كذلك مختلف الفاعليين السياسيين للإنخراط الجاد في تعاقدات مجتمعية جديدة في أفق تنزيل النموذج التنموي الجديد.


وأعرب الأخ نزار بركة عن فخره واعتزازه بالالتقاء بالاستقلاليات والاستقلاليين وكافة المواطنين في هذا اليوم الأغر لتخليد ذكرى تقديم عريضة المطالبة بالاستقلال 11 يناير 1944، إحدى المحطات المشرقة في مسار الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال وتحقيق الوحدة الترابية والسيادة الوطنية.

▪رمزية مكان اللقاء ودلالته التاريخية والسياسية


كما عبر الأخ الأمين العام عن اعتزازه بكون الاحتفاء بهذا الحدث الوطني المجيد، يتم بمدينة فاس قلعة الكفاح والنضال ومهد بزوغ وإشراقة وثيقة المطالبة بالاستقلال التي أوقدت شعلة الحماس الوطني وغذت روح التضحية والنضال من أجل حرية وعزة الوطن، ومن قلب المنزل الذي وقعت فيه وثيقة المطالبة بالاستقلال، منزل المجاهد المرحوم الحاج أحمد مكوار، أحد مؤسسي الحركة الوطنية وأحد أبرز قادة حزب الاستقلال.


وسجل الأخ نزار بركة أن هذا اللقاء في أحضان هذا الصرح الكبير برمزيته الوطنية والتاريخية يَنْم عن البُرور والوفاء لما كان يمثله هذا المجاهد الوطني الفذ من قيم نبيلة وحس وطني صادق، وتقديرا لما بذله إلى جانب الرعيل الأول من رجالات الحركة الوطنية، من تضحيات جسام ومواقف وطنية خالدة من أجل الوحدة والعزة والكرامة.


واعتبر الأخ الأمين العام أن رمزية المكان التاريخية ظلت راسخة في عقول المغاربة، بما شهده من لقاءات واجتماعات سرية للعديد من رواد الحركة الوطنية وقادة حزب الاستقلال، وتروي جدرانه ملاحم المقاومين وتحكي غرفه وممراته عن زيارات عالية المستوى لقادة وشخصيات من داخل المغرب وخارجه، ويكفي استحضار  كيف انكتبت وثيقة المطالبة بالاستقلال في رحاب هذا البيت العامر.


كما أكد الأخ نزار بركة اعتزاز حزب الاستقلال بالتكريم الذي حظي به هذا المكان من طرف جلالة الملك محمد السادس حينما كان وليا للعهد في 11 يناير 1993 حين زاره بمناسبة تخليد الذكرى 62 لتقديم وثيقة الاستقلال وتدشين النصب التذكاري الشبيه بالوثيقة قبالة المنزل، في دلالة على رمزية المكان وأهميته في حقبة مهمة من تاريخ المغرب.


وثيقة المطالبة بالاستقلال.. دروس وعبر


وسجل الأخ الأمين العام أنه بعد مضي خمسة وسبعين سنة على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال بحمولتها الوطنية وقيمتها التاريخية الخالدة، لابد من استحضار روحها المتجددة ودلالتها ومعانيها العميقة وأبعادها الوطنية التي جسدت سمو الوعي الوطني وقوة التحام العرش والشعب دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية.


كما أوضح الأخ نزار بركة أن ذكرى 11 يناير ستبقى محطة وضاءة مشرقة تنهل منها الناشئة والأجيال الجديدة الدروس والعبر، وتستخلص من مضامينها التحررية والديمقراطية وأبعادها الوطنية والسياسية وقيمها الفكرية، النتائج المرجوة لمواصلة تشييد وبناء مغرب الغد وكسب رهانات استكمال التحرير والوحدة وتوطيد الديمقراطية وتحقيق التعادلية الاقتصادية والاجتماعي كمشروع مجتمعي ينشد تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية ويحقق تكافؤ الفرص ويضمن شروط العيش الكريم لكافة المواطنات والمواطنين.


وأشار الأخ الأمين العام إلى أنه في مثل هذا اليوم من سنة 1944، قدم حزب الاستقلال بمعية بعض الوطنيين الأحرار، وبتنسيق مع بطل التحرير جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، وثيقة المطالبة بالاستقلال، إلى الإقامة العامة لسلطات الاحتلال الفرنسي، وسلمت نسخ منهما إلى ممثلي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بالرباط، وأرسلت نسخة منها إلى ممثل الاتحاد السوفياتي آنذاك تطالب باستقلال المغرب واستعادته لسيادته.


وثيقة الاستقلال وصياغة المشروع المجتمعي


وأبرز الأخ نزار بركة أن تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 شكل حدثا كبيرا ملهما، ومنعطفا حاسما في تاريخ المغرب الحديث، لما حملته هذه الوثيقة من مبادئ مازالت روحها تغذي عزيمة الشعب المغربي، حيث ركزت على استقلال المغرب في ظل الوحدة الترابية للمملكة وإرساء ملكية دستورية وديمقراطية تضمن الحريات الفردية والجماعية، وتماسك الأمة المغربية وتصون مقدسات البلاد وثوابتها الوطنية.


وأكد الأخ الأمين العام أن المجاهدين والوطنيين أبانو عن وعي سياسي كبير ونضج فكري رفيع، إبان صياغة وثيقة المطالبة بالاستقلال، فقدموا مشروعا مجتمعيا لمغرب ما بعد الاستقلال بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية لربط الماضي المجيد بالحاضر الزاخر والمستقبل الواعد لتمكين الشباب والأجيال الصاعدة من المساهمة في بناء الوطن متشبعين بالقيم الوطنية الصادقة ومتمسكين بالثوابت الدينية والوطنية والأخلاقية التي ضحى من أجلها الرواد المجاهدون، والتي شكلت على الدوام قوام الشخصية المغربية وحفظت الهوية الوطنية والإنسية المغربية، ومدت الوطنيين بالزاد الكافي للمقاومة والكفاح من أجل الحرية والاستقلال.


توطيد دعائم الديمقراطية لربط الماضي بالحاضر



وأوضح الأخ نزار بركة أن الديمقراطية شكلت أحد الثوابت الأساسية في منظور وثيقة الاستقلال، حيث نصت على تحقيق نظام الشورى (الديمقراطية) ببلادنا برعاية جلالة الملك، وذلك من منطلق إيمان رجالات الحركة الوطنية، بأن الكفاح من أجل الحرية والاستقلال لن يكون ذا معنى حقيقيا إذا لم ينعم الشعب المغربي بحكم ديمقراطي، تضمن فيه الحريات الفردية والجماعية وتصان كرامة المواطن، ويؤمن تمتع المواطن بكل حقوقه في إطار دولة الحق والقانون والمؤسسات.


وأضاف الأخ الأمين العام أن رجالات الحركة الوطنية ظلت قناعتهم راسخة بضرورة المزاوجة بين العمل الوطني التحرري والانكباب على التفكير العميق في إعداد تصور لمشروع مجتمعي ديمقراطي تضمنته ثنايا الوثيقة، معتبرا أن مسألة الديمقراطية كانت حاضرة في البرنامج السياسي الذي اعتمدته كتلة العمل الوطني في بداية ثلاثينيات القرن الماضي حين قررت تحدي سلطة الحماية بتقديم برنامج إصلاح إثر مشاورات واسعة، تتمثل في مذكرة مطالب الشعب المغربي التي تقدمت بها في نوفمبر 1934 والتي أكدت على ضرورة الشروع في وضع لبنات الديمقراطية المحلية.


وأردف الأخ نزار بركة قائلا : وهذا الهاجس، هو ما عكسه الزعيم علال الفاسي في كتابه: "الديمقراطية وكفاح الشعب المغربي من أجلها" حيث قال: "ورغم أن مسألة النظام الدستوري لا محل لها في المغرب المحتل، فإن حزب الاستقلال يطالب مع ذلك بإعلان دستور ديمقراطي، يعترف بحقوق الإنسان لكل المواطنين، ويراعى فيه ما تتوقف عليه حياة المغاربة وحاجتهم، لأن بناء الدولة المغربية الحديثة بعد الاستقلال، يجب أن يقام على أسس ديمقراطية حقيقية، تمكن الشعب من المشاركة في تدبير شؤونه، وتخوله حق مراقبة الحاكمين، في مناخ يضمن الحريات الفردية والجماعية، ويسمح بالتعددية الحزبية النابعة بشكل طبيعي وإرادي من شرائح الشعب، وتعكس تنوع الاختيارات لدى الجماهير، وتعدد المدارس الفكرية والمذهبية لدى النخب".


كما اعتبر الأخ الأمين العام أن الثورة الديمقراطية الهادئة والواعدة التي يخوضها العرش والشعب بكل شرائحه وفئاته العمرية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، تشكل تتويجا باعثا على الافتخار بالمسار النضالي، المضني والشاق، الذي خاضه الشعب مؤطرا بالحركة الوطنية، إلى جانب محرر البلاد جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، الذي احتضن وثيقة المطالبة بالاستقلال وقاد ثورة الملك والشعب التحررية دفاعا عن حرية واستقلال الوطن وصيانة مقدساته وهويته ووحدته الوطنية.


وأبرز الأخ نزار بركة أن وثيقة الاستقلال زرعت الأمل لدى الشعب المغربي وفتحت الآفاق لغد أفضل قوامه ترسيخ الوحدة الترابية وتوطيد دعائم الحرية والديمقراطية وتكريس السيادة والوحدة الوطنية، فكانت بحق بمثابة تعاقد اجتماعي حظي بإجماع وطني كبير والتف حوله الشعب المغربي قاطبة من خلال عرائض التأييد المقدمة من طرف مختلف طبقات الشعب، تعاقد يروم تحرير المواطن من الجهل والتخلف وصون كرامته وحماية حقوقه والاستجابة لتطلعاته في التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

التعادلية الاقتصادية والاجتماعية امتداد طبيعي لوثيقة الاستقلال

وتعزيزا لهذه الثوابت الوطنية الجامعة، وتطويرا لمضامين وثيقة الاستقلال، سجل الأخ الأمين العام أن حزب الاستقلال أودع وثيقة التعادلية الاقتصادية والاجتماعية وقدمها للمغفور له الملك الحسن الثاني في 11 يناير 1963، لتكون امتدادا طبيعيا لوثيقة الاستقلال، وتجسيدا للخيار الاقتصادي والاجتماعي الثالث، بين الاشتراكية العلمية ونموذج الليبرالية المتوحشة، حيث كان النفس الإصلاحي المتجدد في وثيقته التعادلية قويا، وسعى الحزب من ورائها إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الأفراد وضمان تكافؤ الفرص والقضاء على الفوارق الاجتماعية والمجالية وتوسيع دائرة الممارسة الديمقراطية وتشجيع المبادرة الفردية والابتكار وتقوية الاقتصاد التضامني وتقليص الفوارق الاجتماعية بين الطبقات لتحقيق مجتمع متوازن ومتضامن.

 
التحام العرش والشعب ودينامية الإصلاح
 
 
 
وأوضح الأخ نزار بركة أن وثيقة المطالبة بالاستقلال إذا كُتِبَ لها بِهُدىً من الله أن تخرج من هذا البيت المبارك الذي يستضيف هذا المهرجان الخطابي الحاشد ، لترتسم من خلالها خارطة طريقِ بناء المغرب الجديد الذي يتوق إلى الحرية واسترجاع السيادة وتحقيق الوحدة الوطنية والترابية وإرساء الديمقراطية، فإن حزب الاستقلال يعتبر الاحتفاء بذكرى 11 يناير مناسبة مجيدة لتجديد الارتباط بالروح الاستقلالية، وبالقيم والثوابت الوطنية الراسخة التي يقوم عليها الالتحام القوي بين الملكية والشعب المغربي.
 
 
وسجل الأخ الأمين العام أن التكريس الدستوري اليوم "للملكية المواطنة" كما حَرِصَ عليها جلالة الملك محمد السادس في دستور 2011، تجد منبعها في "الملك الوطني" الذي كَانَهُ المغفور له محمد الخامس، والذي لم يكتف بتبني مطالب الشعب المغربي كما تعبر عنها وثيقة الاستقلال وفي لحظات خالدة سابقة ولاحقة عليها، بل تم إعدادُ هذه الوثيقة التاريخية منذ انبثقتْ فكرتُها، بتنسيق محكم مع جلالته طيب الله ثراه وتوافق على مضمونها، لتتوالى التعاقدات الكبرى بين الملك والشعب في العديد من المحطات والاستحقاقات، مرورا بثورة الملك والشعب، والدخول إلى العهد الدستوري بالنسبة لبلادنا ، ومسيرة استرجاع الأقاليم الجنوبية، والانفتاح السياسي في التسعينيات بقيادة الملك الحسن الثاني رحمه الله، والمصالحات والانتقالات الديمقراطية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية التي قادها جلالة الملك محمد السادس، والتي كان دستور 2011 بمثابةِ تتويجٍ لها، وترسيخ لمكتسباتها في إطار منظومة متجانسة للمواطنة الكاملة بحقوقها وواجباتها.

حزب الاستقلال يأمل من خلال ورش إرساء النموذج التنموي الجديد أن ينتج عنه بناء تعاقدات مجتمعية جديدة قادرة على تجاوز حالات الإجهاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي ببلادنا
 
وأكد الأخ نزار بركة أن بلادنا اليوم أمام ورش جديد، ورش إرساء النموذج التنموي الجديد الذي دعا إليه جلالة الملك، في تجاوب مع الحاجيات والانتظارات المعبر عنها من قبل المواطنات والمواطنين، والذي أراد له جلالتُه أن يتم في إطار الإجماع الوطني وبمشاركة مختلف القوى السياسية والفعاليات الحية في المجتمع المغربي، وهو الورش الذي يتطلع الحزب أن ينتج عنه بناء تعاقدات مجتمعية جديدة قادرة على تجاوز حالات الإجهاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي وصل إليها النموذج التنموي الحالي، بتردده في مواصلة الإصلاح الديمقراطي والمؤسساتي، وإنتاجه للفوارق الاجتماعية والمجالية، وعجزه عن خلق النمو الكفيل بتوفير فرص الشغل والإدماج للشباب والنساء، وإفرازه لأجواء أزمة الثقة في الحياة العامة بمختلف مستوياتها.

 
وقال الأخ الأمين العام أن المواطنات والمواطنون قد ينظرون اليوم بقدر من الشك والإحباط في التعاقدات المجتمعية التي رسمها دستور 2011، بالنظر إلى التطورات التي عرفتها الساحة الوطنية في السنوات الأخيرة، فعلى الصعيد السياسي، وإن كانت بلادُنا قد قطعت مع عهد التزوير الانتخابي، وحققت تراكما إيجابيا فيما يتعلق بشفافية الاقتراع، يلاحظ أنه ما زالت هناك ممارسات تمس بحرية ونزاهة العملية الانتخابية فيما يتعلق بالترشيح والتصويت معا، من خلال ظهور ممارسات مشينة للمنافسة الشريفة، واستفحال استعمال المال، وبروز ثنائية قطبية مصطنعة للمشهد السياسي بما لا يتناسب مع خيار التعددية والتنوع في المجتمع المغربي، وهو الأمر الذي يزيد في تعميق الهوة بين المواطنين والحياة السياسية، وبالتالي في تفاقم أزمة الوساطة الحزبية.
 
 
وعلى صعيد الأداء الحكومي، أبرز الأخ نزار بركة أن المواطن يقف في مناسبات كثيرة على أن الوعود التي تم التبشير بها بخصوص آثار الصلاحيات التنفيذية الواسعة التي منحها الدستور للحكومة، لم يتم تحقيقها بعد، كما هو الحال بالنسبة لتسريع إنتاج القوانين والنصوص التنظيمية، والرفع من وتيرة الإصلاحات الهيكلية، وتحسين الحكامة ومكافحة الفساد، وتطوير فعالية الإدارة بعد أن تم التنصيص دستوريا على دمقرطة الولوج إلى مناصب المسؤولية. ولم يتحققْ أيُّ شيء يُذكر بشأن تناسق وتجانس السياسات العمومية لمواكبة حاجيات المواطن، لا سيما تحت ضغط محدودية الموارد المالية والبشرية، مؤكدا أن هذا التراخي الحكومي تسبب في هدر زمن الإصلاح وعدم تفعيل القوانين وتعطيل الإدارة، وتشجيع الممارسات الموازية غير النظامية وغيرها، وبالتالي أصبح يتلاشى بالتدريج أملُ المواطن في التغيير والارتقاء اللذين وعدتْ بهما تعاقدات ما بعد 2011.
 
أما على صعيد العمل التشريعي، يقول الأخ الأمين العام أن الملاحظ هو "إنتاج القوانين" الذي أصبح هو الاختصاص الوحيد الذي تمارسه الحكومة، في غياب الفعل الميداني والسياسات العمومية ذات الأثر الملموس على حياة المواطن، مبرزا أنه رغم التنصيص الدستوري، ورغم توسيع مجال القانون لصالح البرلمان، تظل مساهمة المنتخبين محدودة للغاية، على غرار كما كانت عليه في الماضي، سواء في تعديل مشاريع القوانين أو عبر تقديم مقترحات القوانين، أما بالنسبة لملتمسات التشريع المتاحة للمواطن، فإن هذه الآلية التشاركية تظل معطلة إلى أجل مجهول، ناهيك عن بطء وتيرة الإصلاحات الهيكلية، وتعليق إنفاذ القوانين نظرا للفارق الزمني بينها وبين مراسيمها التطبيقية.
 
 
ومن جهة أخرى، وقف الأخ نزار بركة عند واقع حال الطبقة الوسطى ببلادنا، التي من المفروض فيها أن تكون شريكا حاسما في بلورة وديمومة التعاقدات الاجتماعية، لكنها أصبحت اليوم تعيش على محك التقهقر والانحدار والتفقير الوشيك بالنسبة إليها ولأبنائها، ولا سيما وأن العرض العمومي لم يعد قادرا على توفير التعليم الجيد المجاني، والخدمات الصحية الكافية والمجانية، والسكن اللائق، والتقاعد الكريم، فضلا عن الإحساس بالأمن والأمان، ويتفاقم هذا الوضع بسبب الضربات المتتالية التي استهدفت الشرائح الوسطى على مدى السنوات السبع الماضية، من خلال تجميد الأجور، وتصاعد غلاء المعيشة، وتراجع خدمات أنظمة الحماية الاجتماعية والتقاعد، وارتفاع بطالة الشباب بمن فيهم حاملو الشهادات، وذلك أمام توجه نيو-ليبرالي غير متوازن للحكومة، يوسع من فجوة الفوارق الاجتماعية والمجالية بتركيز الثروة في يد الفئات والمناطق الغنية، وتدبير خصاص الشرائح والمجالات الفقيرة بالمنطق الإحساني الذي يعيد إنتاج أسباب الفقر الجيلي ولا يُمكن من تحقيق الارتقاء.
 
وأكد الأخ الأمين العام أن حزب الاستقلال يحدوه الأمل في أن تتجاوز بلادنا بتضافر جهود الجميع، خيبات المواطنات والمواطنين والأعطاب التي حالت دون تحقيق الوعود التي التزم بها تعاقد ما بعد 2011، داعيا إلى اغتنام محطة الحوار الوطني حول النموذج التنموي الجديد فرصةً لا ينبغي اهدارها على غرار فرص سابقة من أجل إبرام تعاقدات مجتمعية جديدة وفق مقومات المشروع المشترك كما حددها الدستور، والتي تجعل من المدخل الديمقراطي أرضية لباقي التعاقدات فلا تنمية بدون ديمقراطية، ولا جدوى من الديمقراطية إذا لم تكن دافعة للنمو واسترجاع الثقة.
 
 
وفي هذا الصدد، شدد الأخ نزار بركة على ضرورة انخراط مختلف الفرقاء والفاعلين في اتجاه تهييئ الشروط الضرورية لإنجاح هذا المسلسل التعاقدي الجديد، والتي يرى حزب الاستقلال أن ترتكز على المبادئ ومسالك العمل التالية: 
 
 
o إشراك مختلف فعاليات الطيف السياسي والمدني والشرائح والفئات والقوى الحية، وفي مقدمتها المواطن والشباب خاصة؛
 
o إضفاء المعنى على هذا التحول وإعطاؤه مضمونا حقيقيا، وذلك حتى ينخرط المواطن منذ البداية، ويتملك مخرجات الحوار الوطني، ويقتنع بأن الانتقال إلى نموذج تنموي جديد يعني حياة أفضل، وفرصا أكثر، وفوارق أقل؛
 
 
o استحضار روح التوافق الإيجابي والبناء في تحديد ما سيتمخض عنه الحوار الوطني من توجهات واختيارات وإصلاحات كبرى، والعمل على تضمينها في قانون-إطار بمثابة ميثاق للتعاقد المجتمعي الجديد، يصادق عليه المجلس الوزاري والمؤسسة التشريعية.

 
وجدد الأخ الأمين العام التذكير بالدعوة التي سبق أن قدمها  للحكومة في ذكرى 11 يناير للعام الماضي، والمتمثلة في دعوة الحكومة لجعل سنة 2018 سنة لإجراء وقفة استراتيجية ذكية، وسنة لاستعادة زمام الفعل الاستراتيجي، وسنة للقطيعة مع الانتظارية والارتجال والتردد، مقدما دعوة جديدة للحكومة رغم عنادها وعدم إنصاتها، من أجل جعل سنة 2019، سنة لتقييم كل الاستراتيجيات القطاعية التي وضعتها الحكومات السابقة للوقوف على حصيلة ما تحقق من نتائج إيجابية وسلبية، خاصة وأن السقف الزمني لمعظم هذه المخططات سينتهي في سنة 2020، إن لم يكن قد انتهى فعلا بالنسبة لمخططات أخرى في السنوات الثلاث الأخيرة، مؤكدا على ضرورة أن يتم إنجاز هذا التقييم أساسا من قبل المؤسسات الدستورية المعنية بتقييم السياسات العمومية.
 
 
كما دعا الأخ نزار بركة الحكومة بناء على هذا التقييم، أن تقوم بمراجعة برنامجها الحكومي بمناسبة تقديم حصيلة منتصف الولاية، يأخذ بعين الاعتبار خارطة الطريق الاستراتيجية التي أطلقها عنها جلالة الملك حول تسريع ورش الجهوية واللاتركيز، والنهوض بالحماية الاجتماعية ، ووضع سياسة مندمجة جديدة للشباب، ومراجعة هيكلية لمخططات وبرامج التشغيل والتكوين المهني، وتطوير السياسة المائية في مواجهة تحديات الخصاص،  وإصلاح السياسة الفلاحية، وبروز طبقة وسطى في العالم القروي، ويتعين أن تكون هذه المراجعة للبرنامج الحكومي بمثابة تمهيد للتحول المنشود نحو النموذج التنموي الجديد، لا سيما في إرساء براديغم جديد للتماسك المجتمعي، الذي يقوم على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتقليص الفوارق بين الأجيال الحالية والقادمة، وتقوية منظومة القيم المشتركة للهوية الوطنية والإنسية المغربية.
 
وختم الأخ الأمين العام كلمته، معتبرا أن مواصلة بناء المشروع المجتمعي الذي حملته وثيقة المطالبة بالاستقلال، بروحها المتجدد هو أفضل وفاء لأرواح الشهداء الذين ضحوا بالغالي والنفيس، ووهبوا حياتهم لكي نعيش جميعا مواطنين أحرار في وطن حر.





Lu 351 fois