Menu

المغرب و«كورونا»... الحياة قبل الاقتصاد




لم يشهد العالم جائحةً من حجم وبطش وأثر فيروس «كورونا» (كوفيد 19) منذ عقودٍ من الزمن. العولمة وحركة المسافرين والتطور الهائل الذي عرفه ميدان الطيران وتداخل سلاسل الإنتاج والتزويد والشحن جعل الوباء ينتقل بسرعة من ووهان بالصين إلى كل بقاع العالم. بينما يبدو أن الصين وكوريا ودول شرق آسيا بدأت تتحكم في عدد الإصابات الجديدة وبدأ عدد الوفيات ينخفض يوماً عن يوم، انتقلت البؤرة إلى إيران وأوروبا، خصوصاً إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وسويسرا وهولندا، وكذا إلى الولايات المتحدة، خصوصاً ولاية نيويورك. الوضع في تطور مستمر وخريطة انتشار الوباء تتغير كل يوم وبسرعة.
لم تسلم المنطقة العربية من الوباء القادم من إيران والصين بالنسبة لدول الخليج، ومن إيطاليا وإسبانيا وفرنسا بالنسبة لدول المغرب العربي. الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن والمغرب وغيرها أتت في وقتها مقارنة مع دولٍ أخرى في المنطقة أخذت وقتًا أكثر قبل إعمال الحظر الصحي الشامل.
حين انتقلت العدوى كالنار في الهشيم إلى أوروبا وبدأت تحصد الأرواح في إيطاليا وإسبانيا، أغلق المغرب حركة الطيران مع إيطاليا أولاً (الأسبوع الثاني من مارس/ آذار) ثم مع إسبانيا أياماً بعد ذلك، قبل أن يشمل الحظر كذلك فرنسا والجزائر، لتَتَّسِعَ رقعة الإغلاق لتشمل كل الدول الأوروبية؛ بعدها أعلن المغرب الإغلاق الشامل للحدود الجوية والبحرية في وجه حركة المسافرين (منتصف مارس). على المستوى الداخلي، تم أولاً إغلاق الحانات والملاهي الليلية وبعدها المقاهي والمطاعم وحظر التجمعات والمؤتمرات وإغلاق المدارس والجامعات والمساجد، ليتم سن الحظر الصحي الشامل ابتداءً من يوم الجمعة 20 مارس، وإيقاف حركة المسافرين بين المدن والرحلات الجوية الداخلية في اليوم الموالي وإخراج قوات الأمن والدرك والجيش لتنفيذ قرار منع التجول. وهو ما يعني أن المغاربة مدعوون للمكوث في منازلهم ولا يخرج إلا المُرخَّصِ لهم وعند الحاجة: أي اقتناء اللوازم الغذائية والضرورية والتطبيب وشراء الأدوية أو للعمل، مع العلم أنه تم تشجيع تقليص عملية المداومة الإدارية وتشجيع العمل والتدريس عن بعد (من المنزل).
الحالة الوبائية في المغرب في تطور مستمر، حيث تم تسجيل 143 إصابة من ضمنها أربع وفيات وخمس حالات تم إعلان شفائها مع حلول 23 مارس. قبل أسبوع كان العدد لا يتجاوز الثلاثين وهو ما يبين سرعة انتشار الفيروس، ويشرح سبب تحول السلطات المغربية إلى السرعة القصوى فيما يخص تطبيق عملية الحظر الصحي الشامل. أغلب الحالات توجد بجهات الرباط - سلا - القنيطرة، الدار البيضاء - سطات، وفاس - مكناس، غير أن جهات طنجة - تطوان - الحسيمة ومراكش - آسفي وسوس ماسة (منطقة أغادير) تعرف ارتفاعاً ملحوظاً في الإصابات، تأتي بعدها الجهات الأخرى بعدد قليل من الإصابات. 80 % من هذه الحالات مصدرها إما إيطاليا أو إسبانيا أو فرنسا مع تسجيل عدد لا يستهان به من الحالات التي تمت فيها عملية نقل العدوى على التراب المغربي.
يدنو المغرب بسرعة من المستوى الثاني المتمثل في انتقال العدوى إلى أشخاص لم يأتوا من الخارج أو لم يسافروا خلال الأسابيع القليلة السابقة. وهو ما يفسر قلق السلطات وحرصها على التطبيق الشامل لعمليات الوقاية والعزل الاجتماعي وحظر التجول والتجمهر والاختلاط.
التحديات التي تواجه المغرب تكمن في إمكانية المرور إلى الدرجات العليا بسرعة إن لم يَلْزَمِ الكُلُّ بيوتَهم، وعدم انضباط بعض المواطنين، خصوصاً في الأحياء الشعبية وأطراف المدن، واستحالة ضبط المصابين الذين ليست لهم أعراض (والذين هم مع ذلك حاملون للوباء وقد يُحوِّلونه إلى من هم مُسِنّون أو يشْكونَ من أمراض التنفس أو لهم ضعف في المناعة)، وعدم وجود عددٍ كافٍ من الأسِرَّة الطبية المجهزة بالتجهيزات الضرورية، للتنفس الصناعي، خصوصاً إذا ارتفع عدد المصابين إلى الآلاف، لا قدَّر الله.
ولكن في الوقت نفسه، يتميز المغرب بوجود عدد كبير من الأطباء ذوي الخبرة العالية، ووجود تجربة لا يستهان بها في مجال محاربة الأوبئة خصوصاً «إيبولا». كما أنه يتوفر على صناعة دوائية متطورة يمكن اللجوء إليها في كل وقت وحين لتصنيع الدواء إن تبين أن البليكانيل والنيفاكين اللذين يُستعملان في معالجة داء الملاريا مناسبان لعلاج الكوفيد 19. وهذا ينطبق كذلك على أي دواء آخر يتم تطويره وطرحه في السوق في المستقبل.
ما نلاحظه كذلك هو التعبئة الشاملة التي يقوم بها الشعب المغربي بكل فئاته للتضامن مع الفقراء والمعوزين ومن فقدوا شغلهم أو مصدر عيشهم في المدن والأرياف. الحملة من أجل الوقاية والنظافة والعزل الاجتماعي وشرح الوباء وخصائصه على وسائل التواصل الاجتماعي كانت قوية بكل المقاييس. كما أن العديد من الأفراد والخبراء والعلماء تطوعوا للمساعدة في مواجهة الوباء. وتبرع الكثير، أغنياء وغير أغنياء، بمن فيهم البرلمانيون وأعضاء الحكومة والموظفون وأصحاب المهن الحرة وشرائح اجتماعية ومهنية أخرى، بأموالهم أو رواتبهم لصالح «الصندوق الخاص لمواجهة وتدبير فيروس كورونا» مما مكن من تعبئة حوالي ثلاثة مليارات دولار لصالح مواجهة الوباء. وقاد حملة التبرع الملك محمد السادس نفسه الذي كان أول من بادر بالتبرع بحوالي 200 مليون دولار من ماله الخاص. وسيُستعْمَل جزءٌ لا بأس به من هذا الصندوق لاقتناء التجهيزات الطبية الضرورية ودعم جاهزية المنظومة الطبية برمتها.
في الوقت نفسه يتجند الآباء والأساتذة لإنجاح عملية التدريس عن بعد. وينظر الكثير من العاملين في حقل التربية إلى فترة الانقطاع هذه على أنها فرصة للانتقال إلى التعليم عن بعد كوسيلة إضافية لإنجاح إصلاح التعليم. ورُبَّ ضارةٍ نافعة، إذ ستكون هذه الفترة مفصلية في التحول إلى ممارسات رقمية تساعد على تجاوز إشكاليات الولوج والجودة وحضور الأساتذة وتقييم الأداء والرفع من وتيرة الإنجاز لدى التلاميذ.
من أجل مواجهة التأثير السلبي للتوقف شبه الكامل لعجلة الاقتصاد وضعت الحكومة لجنة يقظة واتخذت أو وعدت باتخاذ مجموعة من التدابير تتمثل في تحويل نقدي مباشر لمن فقدوا شغلهم المسجلين في الضمان الاجتماعي مع تمتيعهم بالتغطية الاجتماعية والتأمين الصحي، وتأجيل سداد القروض البنكية المتعلقة بالاستهلاك والسكن إلى حدود شهر يونيو (حزيران)، وتأجيل سداد القروض البنكية للمقاولات دون إعمال الفوائد، وضمان إمكانية الحصول على قروض إضافية بالنسبة للشركات التي لم تغلق أبوابها، وتأجيل وضع التصريحات السنوية الخاصة بأداء الضرائب إلى شهر يونيو بدل آخر مارس، ووضع حد للمراقبة الجبائية والحجز على الودائع البنكية لمدة ثلاثة أشهر كذلك.
وستنكب نفس اللجنة على وضع تدابير ذات طابع اجتماعي بَحْرَ هذا الأسبوع. ويطالب البرلمان ومعه الرأي العام بوضع برنامج تحويلات نقدية مباشرة لصالح الفقراء ومن دفع بهم الوباء إلى حافة الفقر، والإعفاء الكلي للطبقات الدنيا والمتوسطة من فواتير الماء والكهرباء، وجعل الإنترنت مجانياً للكل لتسهيل عملية تحويل كثير من الأنشطة إلى ما هو رقمي، ومساعدة الفلاحين في التغلب على آثار الجفاف الذي ضرب البلاد هذه السنة كذلك.
الدولة المغربية عاقدةٌ العزمَ على محاربة الوباء بكل الوسائل. وآخر الإجراءات هو فرض حالة الطوارئ الصحية الشاملة. ووضعت قانوناً وافق عليه البرلمان لتطبيق هذا القرار. وبموجب هذا القانون، «يُعاقَبُ كل شخص يخالف الأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية بهذا الشأن بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة تتراوح بين 300 و1300 درهم (أي بين 30 و130 دولاراً) أو بإحدى هاتين العقوبتين، وذلك دون الإخلال بالعقوبة الجنائية الأشد» (بلاغ المجلس الحكومي المنعقد يوم الأحد 22 مارس) وهو ما يعني رغبة الحكومة إدخال الساكنة كُلِّها إلى بيوتها لتتمكن من تدبير أحسن لتفشي الوباء والتركيز على بؤر انتشاره والوصول إلى عكس الخط التصاعدي كما فعلت الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها.
في المغرب كما في العالم بأسْرِهِ سيكون لفيروس «كورونا» تأثير عميق على الاقتصاد والسوسيولوجيا والتجارة وطبيعة التعامل الاجتماعي والاقتصادي. سَنَرِثُ عالماً أكثر فقراً وأقل حريةً وأقل عولمةً ودولاً منغلقةً على نفسها وربما أقل تعاوناً فيما بينها. ولكن المغاربة مثلُهم مثل شعوب الأرض الأخرى مستعدون للتضحية بالاقتصاد من أجل الحياة. ما هم متيقنون منه هو أن انتصارهم على «كورونا» سيجعلهم أكثر تضامناً ووحدة وقوة؛ في وقت الشدة لا يُمْتَحَنُ القادة فقط ولكن تُقاسُ إرادةُ الشعوب كذلك؛ والمغاربة لا يشكلون استثناءً في هذا الإطار. نعم يحِنّونَ لحياة الحرية التي كانت لهم قبل الوباء ولكنهم كُلُّهم أملٌ أن شمس الانتصار سوف تسطع في كل لحظة وحين.
 

* وزير سابق ونائب في البرلمان المغربي


              


الاشتراك بالرسالة الاخبارية