Menu

حديث الجمعة


في صحبة كتاب (نداء القاهرة) لمحات من ذكريات الكفاح الوطني وانطلاقة جيش التحرير 2 أكتوبر 1953



حديث الجمعة
ذ. محمد السوسي
 
         كانت الأيام الأولى من شهر أكتوبر وما قبله 1955 حبلى بكثير من الأحداث والمفاجآت وكنا قد عشنا صيفا ساخنا، رغم أنه مع تباشير الصيف تم الإفراج على أغلب الإخوان الذين اعتقلوا في تواريخ 52-53-54، وكانت أحكام السجن التي صدرت في حقهم بين عام وعامين وبالمناسبة فإن المحاكم المغربية العادية التي يتولى إصدار الأحكام فيها الباشا أو من في منزلته من المغاربة لا تتجاوز السنتين فهي أقصى العقوبة التي يملك النطق بها على المحكومين، ومن بين الإخوان الذين أطلق سراحهم في فرعنا فاس الجديد الأخ النقيب المرحوم الأستاذ محمد بن عبد الهادي القباب الذي حكم عليه بسنتين وكان اعتقل في شهر ماي عام 1954 ومع الأخ محمد محرز و محمد الصابوني وغيرهم وكنا في فرع الحزب مثل بقية الفروع نتحرك في جد ونشاط ونحن على أمل أن يتم إطلاق سراح من بقي معتقلا، وكان المركز العام للحزب قد استأنف الاتصال بالفروع وبعث المذكرات والمنشورات التي كانت تحمل في ذلك الوقت توقيع المرحوم المجاهد محمد اليزيدي وكانت أحداث خنيفرة ووادي زم تخيم على الأحداث والمظاهرات تعم كل المدن المغربية وفي نفس الآن بدأت أخبار الاتصالات التي كانت تجري بين الحركة الوطنية والحكومة الفرنسية تتردد بين الناس وكانت معالم بعض ما يجري في محادثة (إكس ليبان) يسمعها الناس، وبدأ قادة الحزب يتصلون ببعض الفروع ولعل من المناسب أن أذكر هنا حادثة كانت مفاجئة لي شخصيا وسبق أن أشرت إليه في مقال كتبته عن المرحوم الفقيه غازي، إذ كانت أول مرة اجتمع فيها بقائد من القادة المؤسسين للحزب والفاعلين المؤثرين منذ بداية الحركة وحتى إعلان الاستقلال، كان ذلك في أحد أيام شهر شتنبر 1955 وأنا في غمرة العمل في دكان الوالد كما هي العادة، إذ كنت أقضي العطلة الصيفية في دكان الوالد الذي كان يغادر إلى سوس، إذ وقف على حين غلفة المرحوم عبد النبي بناني وهمس في أذني أن التحق بمنزل الأخ أحمد الشرقاوي بدرب القاضي على أساس أن لا يراك أحد أو يعرف أين أنت ذاهب، وكان الزمان بين العاشرة صباحا والثانية عشرة عندما وصلت إلى الدرب وجدت رب الدار الذي أدخلني إلى المنزل وكان الجمع قد التأم ولم يتجاوز عدد الحاضرين الإخوة: رب البيت احمد الشرقاوي، عبد النبي بناني، محمد بن الجيلالي، محمد بن العربي، مولاي العربي، (علي وقاص) (محمد محرز) وعبد ربه، أما الشخص الذي وجدته يتصدر الاجتماع فهو الفقيه غازي رحمه الله، لقد أخذت ببسمة الرجل وأسلوبه في الحديث وسرد الوقائع كما فوجئت وهو يحدثنا عما جرى بينه وبين المقيم العام (بوي دي لاتور) في شأن بعض أسماء من اقترحوا في مجلس العرش وختم الاجتماع بسؤال من الأخ المرحوم بن الجيلالي اليزغي «وكان يلقب (ببوشدق) وما العمل الآن فأجاب الفقيه رحمه الله (حتى حاجة ما كاينة أولي كيدبر شي حاجة ادبرها). 

        لقد كان النشاط والحركة في صفوف الحزب قويين وكانت نقابة الاتحاد المغربي للشغل قد بدأت تنظم نفسها عقب مؤتمر مارس 1955 في هذا الجو جاء يوم ثاني أكتوبر بانطلاقة جيش التحرير، وكان هذا الجيش منتظرا وأملا تحقق، وبالأخص أن جيش تحرير الجزائر كان قد انطلق قبل ذلك بسنة وكان «مذياع صوت العرب» ينقل إلى الناس ما يجري مع ما يصاحب ذلك من دعاية وتحميس.

         واليوم وبعد أربع وستين سنة منذ ذلك الحدث الكبير، الذي انطلق فيه جيش للتحرير، هل تحررنا بالفعل؟ وما هي مظاهر الحرية التي تحققت؟ وهل الجهود والتضحيات التي بذلها المغاربة آتت أكلها؟ وهل ما كانوا ينتظرونه من الاستقلال تحقق؟ إنها أسئلة كبرى وهي بعض من أسئلة لجنة الخمسين التي تولت تقويم خمسين سنة من الاستقلال، إنها الأجوبة على أسئلة لجنة الخمسين التي تولت تقويم خمسين سنة من الاستقلال، ان الأجوبة على هذه الأسئلة وغيرها ليس سهلا؟ ولا يمكن أن يكون بالإيجاب المطلق أو السلب المطلق، فالأجوبة نسبية من طبيعة الحال، ولكن إذا جعلنا الديمقراطية الحقيقية مقياس الأجوبة فإن الحرية والتحرر بذلك المعنى لم يتحققا لقد عشنا تجارب التزوير ومراقبة الصحافة وقمع الحريات.

        ولا يزال بعض من هذه الممارسات قائما، ولا يزال ذلك الاتفاق والتوافق التاريخي في هذا الشأن بين محمد الخامس والحركة الوطنية ينتظر الانجاز الكامل، وما قيل عن هذا يقال في شان الهوية لقد كانت الهوية في شموليتها وبالأخص اللغة من الأهداف الكبرى وهي مع الأسف لم تتحقق بل عرفت في هذه السنة تراجعا خطيرا حيث تم التراجع عن التلقين للمواد العلمية باللغة العربية وعادت الفرنسية وسطوتها للمدارس المغربية، أما العدالة الاجتماعية وغيرها من الأهداف الأخرى فلا تزال كذلك تراوح مكانها ومع ذلك فإن الحرية والسيادة استعادهما المغرب والمغاربة من الأجانب وكان يوم ثاني أكتوبر 1953 من أيام الله الخالدة.
        وفي الحديث المقبل نتحدث عن جيش التحرير والبلاغ الأول ووحدة المغرب العربي.
 
الذاكرة والتحريف
        في مدخل حديث من أحاديث الجمعة تكلمنا عن ضرورة الحفاظ على ذاكرة الأمة وتاريخها وضرورة اكتساب الوعي والحس التاريخيين لأنه بدون ذلك لا يمكن لأمة من الأمم أو لشعب من الشعوب أن يحافظ على وجوده، وأن يستمر ضمن من يستمر مع تيار الحياة المتدفق والجاري بقوة بحيث سيتأصل في مساره كل من ليس له جذور منغرسة بصلابة في عمق التاريخ الإنساني، ولا يمكن أن يتم ذلك من غير حفظ الذاكرة وصيانتها من العبث والانحراف والتحريف، إذ من الآفات الكبرى التي تصيب الأمم في ذاكرتها هو ما يمسها من الانحراف والتحريف.
القرآن يفضح التحريف
         وقد نبه القرآن الكريم إلى الآثار السلبية التي يحملها التحريف والانحراف، وكان تنديده بما قامت به الأحبار والرهبان الذين حرفوا الكلم عن مواضعه وزيفوا التاريخ ومن تم الذاكرة الإنسانية فكان تصحيح هذا التحريف جزء مما حمله القرآن الكريم بل تحدى أرباب التوراة الذين ينسبون إليها أشياء لا وجود لها ولذلك قال: «فاتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين» وتصدى لأخطار الافتراءات والتحريف وصوب الكثير منها، ومنذ ذلك الوقت الذي ارشد فيه القرآن إلى التاريخ وجعله مصدرا للمعرفة وحث على تتبع الحقائق من خلال السير في الأرض والاعتبار.
دور الفاعلين
         ولعل أهم ما يقوي للأمة ذاكرتها هو أن يتولى من صنع حدثا من الأحداث أو ساهم فيه ان يؤرخ لذلك الحدث ويترك للناس ما ينير سبيلهم حتى لا يأتي دجال كاذب فيصنع للناس تاريخا ومسارا لم يكن هو المسار ولا التاريخ الذي عرفه الواقع وعايشه الناس مع هذا الواقع، ومنذ بدأ الناس في التاريخ العربي الإسلامي يدونون حرصوا على أن يسد الطريق أمام الكذابين والوضاعين والمفترين والمختلقين وكان لذلك منهج عند المؤرخين كما كان للمحدثين منهاجهم كذلك فحاولوا أن يتركوا للناس الروايات الصحيحة في الحديث والوقائع الحقيقية والدقيقة كما هي في التاريخ، وهذا أمر أدركه الناس أكثر في العصر الحديث عصر الوثيقة كمصدر للتاريخ ولاسيما إذا كانت من تحرير الفاعلين.
كتاب وتاريخ
        لقد استحضرت هذا وأنا بصدد مراجعة مسألة أو جزئية تاريخية فإذا بي أعود إلى كتاب من أهم مراجع ومصادر تاريخ المغرب المعاصر وفي فترة دقيقة من فترات تاريخه يتناول أحداثا ومواقف السنوات الأولى من العقد الخامس من القرن العشرين وأعني بذلك كتاب «نداء القاهرة» للمرحوم الزعيم علال الفاسي الذي خطر لي أن أتحدث عنه تذكيرا ببعض الأحداث والمواقف التي حاول الكثيرون تزييفها أو تحويلها إلى مجد شخصي، أو طمس جهود الآخرين والتغطية على ما بذلوه وما قدموه من عطاء خدمة لوطنهم ولقومهم ودينهم.
المجد الزائف      
         إن سنوات ما بعد ألف وتسعمائة وخمسين كانت حافلة بالعمل الوطني الكبير والقوي لأنها السنوات التي سجلت المعارك الأخيرة في مواجهة التحدي الاستعماري ومقاومته مما كان يدبره هذا الاستعمار البغيض بمساعدة بعض الناس الذين زاغت بهم الأطماع أو الخوف أو الحقد والانتقام أو كل ذلك ليقفوا في صف عدو وطنهم ودينهم وقومهم وتاريخهم، ولا أريد هنا أن أدخل في تفاصيل ذكر الأسماء أو الأفعال التي قام بها هذا البعض وقد يرد بعضها في ثنايا الفقرات التي تأتي فيما بعد ضمن ما سجله المرحوم في تقارير بتواريخ مضبوطة ومحددة. وهي تكشف المجد الشخصي الزائف.
الجهاد الأكبر
        وبعد تصفح الكتاب كما قلت وجدت أن تاريخ نشر الكتاب هو غشت 1959 ونحن في شهر أكتوبر 2019 أي أن الكتاب مرت على نشره ستون سنة في طبعته الأولى، وشهر أكتوبر بالنسبة لمرحلة منتصف الخمسينات من القرن الماضي له دور كبير وأساس في مسار المغرب منذ ذلك الحين والى اليوم، إذ فيه رسمت معالم الأحداث التي نعيشها ونعالج تبعاتها في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ كل شيء في واقع الناس له بداية، ولواقعنا بداية يعتبر أكتوبر 1955 من معالم بداية حياتنا الحاضرة وهي مرحلة الجهاد الأكبر.
مقاومة المسخ    
         ولعل اليوم الثاني من أكتوبر ذلك العام يسجل تحولا بل بداية نهاية مرحلة تاريخية من حياة الشعب المغربي، لقد عاش الشعب المغربي حتى ذلك اليوم حوالي ثلاثة وأربعين عاما من الكفاح المضني وسالت دماء المغاربة فيها في أدوية وشعاب وجبال بل ومدن وقرى المغرب بغزارة كما استقبلت السجون والمنافي والمعتقلات آلاف من أبناء الوطن الذين هبوا في كل تلك السنوات للدفاع عن الوطن ومقاومة الاستعمار وبطشه وسياساته المختلفة والتي تصب في النهاية في مسخ الإنسان المغربي وتزييف هويته وتوهين عزيمته وإرادته واستغلال أرضه وخيراته ومع السعي لإدماجه في وحدة استعمارية بغيضة.
يوم من أيام الله
        كان ذلك اليوم الذي أعلن فيه عن انطلاقة جديدة في الجهاد والمقاومة لقد أصبح ابتداء من هذا اليوم للمغرب والمغاربة جيش للتحرير، الذي انطلقت عملياته في ذلك اليوم لتعزز الحركة الفدائية القائمة بجد ونشاط في كل أنحاء المغرب، لقد اهتزت الأرض تحت أقدام الاستعمار، وأدرك أنه لا محالة راحل، فلم يعد الأمر مقتصرا على مقاومة فدائية تضرب هنا أو هناك وتختفي ولكنه الآن جيش يقوم بالمواجهة اللازمة إنه حدث كبير وحدث عظيم، وهنا يطرح سؤال كيف وصلنا إلى هذا اليوم والى هذه اللحظة بالذات؟
ضرورة التدقيق والغربلة
        إن الأحداث مثل هذه لا تأتي من فراغ، ولا من تدبير فرد خطر له ذلك ففعل، إن الأمر يتطلب تخطيطا ودراسات وإعداد كل ذلك يتطلب جهدا ووقتا ولعل هذا ما غفل عنه كثير من الناس الذين كتبوا عن جيش التحرير والمقاومة، وإذا كان من ملاحظة حول ما كتب فهي أنه يحتاج إلى غربلة علمية دقيقة وفحص عميق للأحداث والوثائق واستبعاد ما كتب تحت تأثير الأهواء واستهداف الشهرة أو التباهي أو غير ذلك مما خضع له الكثير مما كتب في هذا الشأن لأن الناس الذين كتبوا أو أملوا كان الكل تقريبا يجعل نفسه ودوره هو المحور وهو الأصل وما عداه فهو فرع له وتبع.
الحقيقة التاريخية
         والحقيقة التاريخية تأتي بعد ذلك ومعنى هذا أن كتابة تاريخ المقاومة وجيش التحرير لم تحظ بعد بما يجب أن تحظى به من كتابة علمية دقيقة، لا تراعي الأشخاص ولا مكانتهم، وإنما تسعى لضبط الأحداث والوقائع والأفراد والأشخاص لينال كل واحد ما يستحقه في سياق الأحداث الدقيقة والوقائع الصريحة التي تفصح عنها الوثيقة بالمفهوم الدقيق للوثيقة والحدث كذلك.
وثائق ومذكرات
        وفي هذا السياق أحببت أن أشير إلى ضرورة استيعاب ما تضمنه هذا الكتاب من تقارير ورسائل وخطب ومذكرات سواء تلك التي وردت على الزعيم علال من المغرب وهي من اللجنة التنفيذية للحزب ومن لجنة الاستخبارات التابعة للحزب أو من أفراد أو تلك الرسائل والتوجيهات التي وجهها هو للحزب في مرحلة ما قبل حل الحزب أو التي بعثها للجنة التنفيذية المؤقتة. أو ما قام به من نشاط إعلامي أو ألقاه من محاضرات التي تصب كلها في إلقاء الضوء على الأحداث وسياقها ومن ضمنها مقاومة المؤامرة الاستعمارية ضد المغرب وضد محمد الخامس رمز السيادة والوحدة والنضال، وكل ذلك تضمنه الكتاب بتواريخ مضبوطة وأسماء مبسوطة.
المأساة المغربية  
         وفي هذا الشأن يقول المؤلف في مقدمة الكتاب الذي نشره كما قال في الذكرى السادسة لثورة الملك والشعب يقول: وقد أحببت أن أضيف للمجموعة تقريرا كتبته للجامعة العربية في أول سنة 1953 وفقرات من رسائل بودلت بينه وبين اللجنة التنفيذية المؤقتة للحزب من جهة وبينه وبين مكاتب في مختلف النواحي من جهة أخرى وذلك ما يكون في نفسه مقدمة تضع القارئ في الجو الذي وضعت فيه المأساة المغربية» ولعل من الناسب أن أشير إلى بعض ما جاء في المذكرة التي رفعها الزعيم إلى الجامعة العربية بتاريخ 25 يناير 1953. أي بعد أحداث الدار البيضاء في 8 دجنبر 1952 وهذه الفقرة جاءت تحت عنوان:
 المؤامرة ضد جلالة الملك
        وتشتمل رسالة الدار البيضاء على الفقرات الآتية فيما يتعلق بالتآمر على جلالة الملك، وهذا نصها:
        إلى جانب هذا الإرهاب البوليسي تقوم الإدارة الفرنسية وإذنابها –وعلى رأسهم الجلاوي- بتدبير مؤامرة أخرى شبيهة بتلك التي كانت الإدارة الفرنسية قد دبرتها سنة 1951 في عهد الجنرال جوان المقيم الفرنسي الفرنسي السابق، ومنذ بدأت حركة القمع والمقيم العام الفرنسي والجلاوي وعبد الحي الكتاني يطوفون ببعض نواحي البلاد ويحاولون إرغام السكان على الانضمام إليهم بقصد خلع جلالة السلطان، وإحلال شهر يناير الحالي طاف ثلاثتهم ببعض قبائل الشمال ....
 
        ويتتبع الشعب المراكشي هذه المؤامرة بحذر وتيقظ ويخشى أن تؤدى إلى إحداث قلاقل أخرى بالبلاد تكون أكثر خطورة من الحوادث السابقة.
        وإلى جانب ذلك كله يقوم المستعمرون باتصالات متوالية مع المقيم العام الجنرال جيوم لتدبير خطة محكمة يرغمون بها الحكومة الفرنسية على الموافقة والخضوع لهذه الخطة التي أخذت الإقامة الفرنسية العامة تطبيقها منذ بدء الحوادث الأخيرة لتتخلص من حزب الاستقلال ونفوذه الشعبي ولتتخلص أيضا من صاحب الجلالة بصفته رمز المقاومة».
إشراك الأجانب
        ومن ضمن ما تضمنه الكتاب رسالة موجهة إلى اللجنة التنفيذية المؤقتة بتاريخ 23 مارس 1953 وهي تتناول قضية أساس كانت مطروحة حينها وهي إشراك الفرنسيين في المنظمات المغربية وهو ما كانت تعارضه الحركة الاستقلالية بكل قوة، ولكن ما لفت نظري في هذه الرسالة هو ما يتعلق بتحليل جزئية سياسية قانونية مهمة تعرض لها الفقيد في الفقرة التالية:
الحماية والإصلاح السياسي
        «يظهر من تصريح مولانا أنه يرى ضرورة إلغاء معاهدة الحماية لأن هذه لم تنص على الإصلاحات السياسية، وهذه ملاحظة في محلها، ولكنني أحب أن أنبه إلى العلة الحقيقية التي ينبغي أن نفهمها من عدم نص معاهدة 1912 على الإصلاحات السياسية وهي: إن الحماية لم تلغ معاهدة الجزيرة التي اعترفت بالأصول الثلاثة: وحدة المغرب، وسيادة الملك، والحرية التجارية، وأن البلاغ الذي أصدرته فرنسا وانجلترا على اثر الوفاق الفرنسي الانجليزي 1904 ينص على أنه ليس في نية الدولتين المساس بالنظام القائم في المغرب ومصر. فإذا لم تنص معاهدة الحماية على الإصلاح السياسي فمعنى ذلك أن الأوفاق الدولية تمنع فرنسا من التدخل في الإصلاح السياسي الداخلي لأن معنى ذلك تغيير النظام الداخلي الذي التزمت باحترامه فرنسا في البلاغ المذكور وفي معاهدة الجزيرة». (ص:ز-ح)
المقاومة
        ولعل من الأمور التي تضمنها الكتاب ضمن رسائل ومذكرات ما يتعلق بالعمل المباشر «المقاومة المسلحة» والذي يحلو لبعض الناس أن يرددوا أن الحزب لهم يهتم بالموضوع، وهذا خلاف ما تنطق به الرسائل والمذكرات فمن بين ما ورد في هذا الشأن رسالة موجهة من عبد الكبير بن عبد الحفيظ الفاسي إلى الزعيم علال جاء فيها:
فقرة من رسالة الأخ الأستاذ عبد الكبير ابن عبد الحفيظ الفاسي
        «وقد كنت بتطوان أخيرا وزرت الأستاذ الطريس الذي يسلم عليكم كثيرا ويرجو منكم أن تطلبوا من المكتب أن يستأنف إرسال القصاصات له كما كان يفعل ذلك حينما كان مقيما بطنجة، وكلفني إبلاغكم أن رأيه متفق معكم في الحالة الحاضرة من أنها تستدعي استبدال أسلوب الكفاح واستعمال (التخريب)...» (ص:ك).
        رسالة من الأستاذ عبد الكبير ابن المهدي الفاسي إلى الزعيم علال من جبل طارق
        يعني القيام بما يلزم في صد الفرنسيين عن النهج الذي ينهجونه.
نداء القاهرة والأمين العام
جاء ما يلي:
        «الحمد لله وحده
        أخي العزيز وزعيمنا الخالد سيدي علال، حياك الله وبياك ومن كل شر وقاك وبعد فقد شاءت العناية الربانية ان تسمح السلطات الفرنسية لي بمغادرة المغرب يوم 19 غشت متجها نحو فرنسا، وقد مررت بطنجة وأنا الآن بجبل طارق حيث التقيت بالأمين العام وهو يستعد للسفر إلى أمريكا على متن الباخرة Saturria هذا المساء، واني في هذه العشية سأرجع لطنجة مع الطيارة وأحاول جهد المستطاع الاتصال بالداخل اما بالتلفون أو بإرسال شخص مباشر، ثم أسافر لباريس للاتصال حسب رغبتك بالعملة واختيار نخبة منهم صالحة للتخريب ثم ارجع لمجريط لأبقى واسطة بينك وبين فرنسا وطنجة وأمريكا. وقد استمعت أنا والحاج احمد أمس الأمس إلى النداء الذي وجهته براديو القاهرة ساعة 16 C.M.T واستحسناه كثيرا واستبشرنا بسماع صوتك المحبوب وبكينا من شدة التأثر، جمع الله شملنا قريبا». (ص: ل)
        لاشك أن الرسالة أعلاه واضحة في ترتيب عمل المقاومة لمواجهة الاستعمار وأن المرحوم عبد الكبير بن المهدي الذي تقرر أن يكون صلة وصل بين علال والمقاومة حدد مع الزعيم علال منهج العمل ومبادئ أساس الحركة.
العلاقة مع اسبانيا
         في رسالة بتاريخ 8 سبتمبر 1953من المرحوم عبد الكبير بن المهدي الفاسي:
        رجعت لطنجة يوم 22 غشت فوجدت الجو في غاية الثورة، وقد استجاب الشعب للنداء، وبدأت المقاومة والتخريب.. ثم سافر شخص منا لباريس يوم 29 غشت فوجد جو باريس أشبه شيء بجو المغرب إذ البوليس يحيط بجميع المغاربة جهارا أو سرا. وقد كون جماعة ضيقة لتسير مع الظروف وتغتنم الفرص، وإنني والإخوان بطنجة نقترح فتح مكتب بمجريط للتنسيق إذا أصبحت طنجة مراقبة محاصرة». ويذكر المرحوم علال في التعقيب على هذه الرسالة ان عبد الكبير.
        «قام في باريز بالاتصال بالباشا البكاي، وربط معه طريق الاتصال
        واما السياسة التي سنتتبعها مع اسبانيا فيجب مجيء الزعيم لمدريد مع الحاج احمد إن أمكن، لتدشينها.
        هذا وان تنظيم العمل مع تطوان يسير سيرا حسنا...»
صدى المعركة في مصر 
        وهكذا طلب عبد الكبير أن يقوم الزعيم علال والامين العام بالحضور الى مدريد لوضع أسس العلاقة مع اسبانيا، وان العمل مع تطوان يعني اسبانيا يسير سيرا حسنا وعن صدى عزل محمد الخامس في مصر يقول علال:
        «كان يوم الجمعة الموالي لنكبة جلالة الملك عظيما في مسجد السيدة زينب، حيث حضر صلاة الجمعة الرئيس جمال عبد الناصر، وبعد الصلاة ألقيت خطابا في منبر المسجد، لتأييد قضية المغرب والتضامن مع الملك المجاهد –في الوقت الذي كان اللواء نجيب يترأس مظاهرة في الحرم النبوي للتضامن مع المغرب». (ص:م)
الافتراء الكبير
        من الأمور التي تطرق إليها الكتاب مسألة مهمة وكانت من أقوى الحجج التي استعملها الاستعمار لإضعاف الموقف الوطني وإظهار أن الشعب المغربي منقسم على نفسه حول سياسة جلالة الملك محمد الخامس وأن قسها مهما من المغاربة «البربر» ليس راضيا عن سياسة محمد الخامس ومقاومته للسياسة الاستعمارية الفرنسية وهذه إحدى الفريات الكبرى التي اختلقها الاستعمار الفرنسي وبنى عليها ما جاء في ظهير 16 مايو 1930 وكان من الضروري أن يتولى الزعيم علال دحض هذه الحجة الاستعمارية بالأسلوب المناسب واللائق وقد فعل ذلك في كثير من الدراسات والأبحاث الفقهية والقانونية كما نظم قصائد وأشعار وكتب وأبحاثا تاريخية تؤكد كلها وحدة والتحام الشعب المغربي وأن ما يروجه الاستعمار لا يعدو أن يكون جزء من سياسة فرق تسد التى هي سلاح الاستعمار في مختلف الأزمان والأوطان.
من قلوبهم مرض
        وأود في هذه المناسبة وبعض الناس الذين لا يفهمون أو لا يريدون أن يفهموا أو في قلوبهم لا يزالون يركبون على هذه النغمة الاستعمارية لخلق البلبلة والاصطياد في الماء العكر دون أن يدري هذا البعض أنه يضرب الوحدة الوطنية في الصميم وأنه في نفس الوقت يسيء إلى الامازيغ أكثر مما يحسن إليهم والى تاريخهم في الدفاع عن الوحدة والاستقلال والحجرية يقول علال في فصل بعنوان:
موقف البربر في مراكش
        «من عادة المستعمرين أن يبحثوا بكل بلد عن وسيلة عادية يستغلونها لتفرقة الوطن وأبنائه وضرب بعضهم ببعض، وقد فعل ذلك الفرنسيون في بلاد الشام يوم احتلوها فلم يدعوا أسلوبا من أساليب التفرقة الممكنة إلا استعملوها فتارة اتخذوا أسلوب التفرقة الدينية وتارة أسلوب التفرقة الإقليمية وتارة أخرى أسلوب التفرقة الإدارية، ومع ذلك كله فإن سوريا ولبنان وغيرهما من أجزاء الشام ظلت متحدة في الاتجاه العدائي للاستعمار ومكافحته إلى أن حصلت على استقلالها.»
مغرب موحد
        ثم يضيف الزعيم:
        ولقد وجدت فرنسا في مراكش أمة متحدة من الناحية الدينية واللغوية والقومية بل وجدت لديها من عناصر التكوين القومي ما ليس لفرنسا نفسها ومع ذلك فقد حاولت أن تخلق تجزئة مصطنعة تقوم على أساس الفارق العنصري بين البربر والعرب، على اعتبار أن البربر هم أبناء البلاد الأصليون أما العرب فليسوا إلا فاتحين ولكن الجهود التي بذلتها الإدارة الفرنسية في هذا الصدد باءت كلها بالفشل لأنها ليس لها ما يسندها من الواقع التاريخي ولا الجغرافي الحاضر، فليس هنالك إقليم يخص البربر وآخر يخص العرب في مراكش، بل ليست هنالك قرية واحدة ولا مدينة واحدة إلا وتقطنها جماعة مراكشية ممتزجة الدم واللسان ومتحدة الدين، ومن الصعب أن يحاول احد إثبات السلالية الحقة بأي فرد منها، وإذا قام احد ببحث محايد في هذا الصدد فلن يعود إلا بحقيقة ساطعة هي أن هنالك جماعة أو امة مراكشية دينها الإسلام ولغتها العربية».
اللهجات
        وفي شان اللهجات يقول:
        أما اللهجات العديدة التي يتكلم بها بعض القبائل المراكشية فهي لا تؤثر في شيء على عروبة هذه القبائل نفسها التي تتكلم بالعربية أيضا في المسجد والتعامل والعائلة وفي الاتصال بغيرها من القبائل، وشأنها في ذلك هو شأن الناطقين بمختلف اللهجات في مصر. وهم أوضح في الوحدة والقومية من مختلف المقاطعات التي تتكون منها فرنسا وهي تختلف عنها إقليميا ولغويا.
        لقد وقف البربر المراكشيون من قضية بلادهم الموقف المشرف الذي لا يماثله موقف، فاستبسلوا في الدفاع عن وطنهم بصفة تستحق الإعجاب، وبزغ في وسطهم أبطال رفعوا اسم العرب عاليا مثل موحا وحموا الزياني، ومثل سيدي رحو والأمير عبد الكبير، و احد و وزيد وغيرهم ممن اعترف الفرنسيون أنفسهم لهم بقوة شخصيتهم وعظمة إيمانهم بقومهم ووطنهم.

              



الاشتراك بالرسالة الاخبارية