Menu

علال الفاسي في عُزلته "الغابونية"


تقديم الأخ عبد الواحد الفاسي



علال الفاسي في عُزلته "الغابونية"
من فوائد هذا الحجر الصحي أنه يجعلنا نراجع أنفسنا، ونعود إلى الله سبحانه وتعالى ، ونأخذ الوقت لنترحم على آبائنا وأمهاتنا وأن نترحم على زعيمنا علال.

في جو الحجر وانعدام حرية التجول وضيْق المساحة التي يمكن أن نتحرك في داخلها، تذكرتُ إحدى قصائد الزعيم التي نظمها في منفاه السحيق بقرية "مويلا " بالغابون، فرجعت إليها ووجدتها تُعبِّر وتَعكس نفس الإحساس الذي نُحسُّ به ونحن في عزلتنا، مع مراعاة الفوارق بين عزلة المنفى والبعد عن الأهل والوطن وعزلة الحجر مع الأهل وداخل الوطن الصغير الذي هو البيت.

فعزلة الزعيم كانت بمثابة شكل من السجن كعقاب له على وطنيته ووفائه لوطنه وكفاحه ضد استعمار الوطن. أما عزلتنا نحن والتي فرضتها علينا إجراءات الحضرالصحي فهي في صالحنا وفي صالح الوطن وخوفا من أن ينتقل هذا الفيروس من استعمار الأجساد إلى استعمار جسم الوطن بأكمله . لا قدر الله .

فعلال كان وحده في سجنه ، بعيدا عن أهله وعن وطنه وعن عالمه الذي هو عالم الكتب والذي جعل الحضر والعزلة التي فُرضت عليه في منفاه أشد قسوة وألما. وهنا أتذكَّر- عندما كُنا صِغارًا - أنه ، رحمه الله، كان عندما يسأله أحد أين يوجد كان يجيب ، وهو في سهو منه - حيث كان يسهو في كثير من الأحيان - أنه في " تومبوكتو" .

ولم أعلم لماذا كان يذكُر " تومبوكتو". لكن ، وهذا تأويل شخصي ، أظن أنه عندما كان في المنفى كان يتمنى لو كان مَنفيا في "تومبوكتو" بمالي لِما كانت تتميز به من العلم وبما كانت تأويه من الكتب والمراجع. هذا ما اعتقد والله أعلم.

أما نحن، فإننا في عزلتنا نتواجد بين أهلنا مع أسرتنا الصغيرة - داخل بيوتنا - ولدينا الكثير مما نحتاج إليه ونتوفر على الكتب وعلى مختلف الصحف في صيغتها الإلكترونية وبإمكاننا التواصل مع من نشاء ولا تنقُصنا سوى حرية التنقل خارج البيت. نتوفر على كل هذا ومع ذلك لا نحمد الله. أقول : "عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم " .

رحم الله علال الذي كان يقول : " لن أموت قبل أن أموت " ، وأقول أنه لن يموت أبدا لأنه ترك علما ينتفع به.

القصيدة التي تذكَّرتها في هذه الظروف التي نمر بها، والتي نظمها الزعيم رحمه الله في 10 أبريل 1938 في منفاه بقرية مويلا بالغابون تحت عنوان " عتادي في مبعدي" مع تقديمه لها بفقرة يقول فيها :

" أرى لي هنا عددا يسيرا من المقاعد والكراسي ، وقد صنَعْت مطرحين وسريرين ، ورأيت نفسي من عدم وجود أماكن للتنقل دائما أتقلب في الجلوس من هذا المحل لذلك .

من هذا الكرسي لتلك الأريكة ، وخصوصا في المساء ، حيث أتغنى ببعض أناشيدي، فخُيل إلي أني بلبل مسجون في قفص يتنقل في أعواده ناشدا الخلاص ، مرددا أنفاسه نغما لذيذا ، ذلك ما تضمنته هذه القطعة " :

وَضَـعْــتُ بِمَـنْـزِلي سُــرُراً عِــــــدَادَا ونَـوَّعْتُ الكَـرَاسِــــيَّ والعــَـــتَــــادَا


وَلـيْسَ يُقـيــمُ فــيـه مِــن الأنــاسِـــي سِوى مَــنْ ألْــزَموهُ فـيه اقْــتِعـــادا


أنــامُ هُـــنا عَــلى هَــــذا قــــلِـــيــــلا وأوْسَــــــعُ غَــيــرَه ثـُـم امْــتِــــدادا


وأجــلِـسُ فَــوْق أنــواعِ الكـــراسِــي وأكثِــرُ في أرائِــكِــهــا اعْـــتِــمــادا


وأنــشِــدُ قــائِــما شِـعْــرا بَــلـــيــــغـاً يُــحَــرِّكُ مِـــن فَــصاحَــتِه الجَــمادا


أرانـــي كالـبــلابِـــلِ قَـــــيَّـــدوهــــــا بِأقْـــفـــاص تــعْــبُــدُها اعْـــتِـبـــادا


وقـــد وَضَــعُــوا لــها دُرْجًا كِـــثـــارًا تُــقــيمُ مِـــنَ البــلابـــلِ مِـــن أرادا


تُــقَــلَّــبُ فـي مَـحــابِــسِـها تُــرَجَّـــى ســبــيـلا لِلــتَّحَــــرُّر مُــسْــتَــفـــادا


وإنْ شَـبـعَــتْ مَــن الطُّـعْــمِ الـمُـهَــيَّا تُــغَــنِّــي فَــوقَها الـنَّــغَــمَ المُــعَـادا


يُــسَـرُّ بِـصَوْتِــهــا مَــن قَـــيَّــدوهـــا وإنْ كــانــت تُـــرْجِـــعُـــه حِـــــدادا


ورُبَّـتَــما يَــكــون لَــهـا احْــتــِجــاجـًا تَجــاهَـــلَــهُ ابْــــنُ آدم فاسْــتَــعـاذا

الرباط في 6 أبريل 2020

              


الاشتراك بالرسالة الاخبارية