Menu

قراءة في كتاب: "يوميات هرتزل" إعداد أنيس الصايغ: بين وعود الأمس ووعود اليوم..؟




 
ذ. محمد السوسي
 
من هرتزل إلى السلطان عبد الحميد

        إن الحديث عن فلسطين التي تجتاز اليوم مرحلة أخطر وأدق من كل المراحل التي مرت بها فلسطين ومر بها الصراع من أجل رد المحاولات الاستعمارية والصهيونية لفصلها عن مسارها العربي الإسلامي والحضاري في هذا السياق سياق العروبة والإسلام، والصراع اليوم بدا وكأنه يأخذ منحى جديدا يتصور فيه الصهاينة أنهم على بعد خطوات من إنهاء القضية وتحقيق جزء مهم من الحُلم الأساس لدى الصهيونية في تأسيس دولة الشعار (من النيل إلى الفرات).
        وفي سياق هذا الصراع الذي يبلغ اليوم كما قلنا مرحلة صعبة بدت أشواطه وهي كما كانت منذ ما يزيد عن مائة وعشرين سنة منذ 1879 عندما عقد المؤتمر الصهيوني المُؤسس برئاسة صاحب المشروع "هرتزل" وقد شاءت الصدف وشاء القدر أن يكون هذا الصراع وعلى رأس الدولة العثمانية سلطان آمن بقدسية أرض فلسطين وآمن بأن الجهاد في سبيل الدفاع عنها أمانة في عنقه تستمد جذورها لا من السلاطين العثمانيين فقط ولكنها في أصلها وأبعادها تعود إلى فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبيت المقدس وفي الأصل الأصيل الوارد في سورة الإسراء في الحديث النبوي الشريف، وقد قدمنا في الحديث الأخير وفي هذا المدخل بالذات الرسالة التي وجهها إلى شيخه (أبي الشامات) وأوضح فيها موقفه وموقف الصهيونية ومن تحالف معها من المسؤولين الأتراك ووعدنا بالعودة إلى الموضوع، وذلك بالعودة إلى نص كتبه "هرتزل" بنفسه يسجل فيه المجهود المالي والسياسي والإعلامي الذي يلتزم به اتجاه الدولة العثمانية فيما إذا قبل السلطان السماح بهجرة اليهود إلى فلسطين وانطلاق مشروع الدولة الصهيونية هناك، والنص كما ورد في مذكرة "هرتزل" النص العربي ما يلي كتب معد المذكرات وهو يتكلم عن رسالة سابقة لهرتزل:
        «تمتاز تلك الرسالة بما فيها من كذب وادعاء يناقض واقع الحال. كتب "هرتزل" فيها:
        «صحيح إن ما نريد إنما هو في صالح الشعب اليهودي، لكنه سوف يخدم في تجديد القوى الفعالة في الإمبراطورية العثمانية وفي تمديدها.
        بادئ ذي بدء، يجب ألا يؤخذ كتابي «الدولة اليهودية» كشكل حاسم للمشروع. إني أول من يعترف أن فيه الكثير من العقائديات. وقد نشرت الفكرة، وكنت آنذاك مجرد كاتب بسيط، دون أن أعلم كيف يستقبلها الشعب اليهودي. وأفضل برهان على ذلك هو أنني اقترحت الإقامة إما في الأرجنتين أو في فلسطين. لكن الحركة اليهودية الجديدة أخذت، منذ آنذاك، شكلا مختلفا بالمرة. وأصبحت عملية وممكنة. إننا نراعي الظروف، ونريد أن نعمل عملا سياسيا جيدا، وعملا مخلصا وقديرا.
        فيما يلي تلخيص للحالة: إذا منحنا صاحب الجلالة السلطان لظروف الضرورية لإسكان شعبنا في فلسطين، نؤمن للاقتصاد التركي النظام والازدهار بالتدريج. حالما يقبل الطرفان هذا المبدأ ينصرفان إلى التفاصيل.
        إن من السهل أن نرى أن الراغبين في إضعاف الإمبراطورية العثمانية وتفتيتها هم أعداء خطتنا. وأعداؤنا أيضا هم الذين يريدون امتصاص دماء تركية بقروضهم الشرهة. ذلك لأن الحكومة بواسطتنا، سوف تستعيد سيطرتها على موارد البلاد. وسوف تبعث البلاد من جديد.
        ليس كلامي هذا ألفاظا فارغة. سوف تتاح لجلالة السلطان الفرصة للاقتناع بذلك إذا شرفنا بإرسال ممثل عنه إلى المؤتمر الصهيوني الذي سينعقد في ميونخ من الخامس والعشرين إلى السابع والعشرين من آب 1897. بإمكان ممثل صاحب الجلالة أن يحضر اجتماعاتنا كلها، وفي هذه الاجتماعات وحدها نستطيع أن نبرهن له البرهان الساطع على طاعتنا.
        غير أننا –وهذه نقطة يجب التشديد عليها- لا نريد أن نعمل على تهجير شعبنا إلى فلسطين قبل أن ننجز أولا الإجراءات مع الحكومة التركية. صحيح أن شعبنا تعيش في عدة دول. إلا أن ذلك لا يبدل في الوضع. لا نريد أن نستبدل حالة البؤس الحاضرة بحالة أخرى قبل التأكد منها. يجب أن تكون الحالة الجديدة حرة وواضحة...
        يصبح المهاجرون اليهود إلى فلسطين رعايا لصاحب الجلالة السلطان على شرط حصولهم على حق مطلق بحماية أنفسهم بأنفسهم.
        ويعطوا حق شراء الأراضي بدون أي قيد. ولا يمكن أن تكون مسألة "اغتصاب" أحد أبدا. فالملكية حق خاص لا يمكن التنكر له. أما ممتلكات السلطان الخاصة فيدفع ثمنها نقدا حسب قيمتها، إذا شاء بيعها.
        أما من حيث مسألة «حقوق الشعب» في الإجراءات فإن تقدمات اليهود ستصبح ضريبة سنوية تدفع لصاحب الجلالة. سنبدأ بضريبة مئة ألف جنيه، مثلا، تزداد نسبيا، أي بنسبة الهجرة، إلى أن تصل مليون جنيه سنويا.
        واتندا على هذه الضريبة نستطيع أن نضمن قرضا. وسوف تضمن هذه الضريبة الكميات الضخمة المودعة التي حدثت عنها سابقا، عدة مرات، ولا أريد هنا أن أعيد ما قلته قبلا، يا صديقي العزيز، أكثر من مرة: وهو أن حل المسألة اليهودية إنما يتضمن تقوية تركية. إن نشاط اليهود وأهميتهم، تجاريا وماليا، معروفان جدا. إنه نهر من الذهب،والتقدم، والحيوية، يحوله السلطان نحو تركية حينما يسمح بدخول اليهود، الذين هم أصدقاء تركية منذ القرون الوسطى. ومع تصحيح الشؤون المالية، يتوقف تدخل الدول المتستر بحجج مزورة، وينتهي «الدين العام» وينقطع «مص الدم». (ص: 550 في الأصل الانجليزي ص:55 وما بعدها من النص العربي).
        إنها الوعود في النمو والاستثمار وقضاء الديون وتقديم الخدمات الإعلامية والسياسية وهو ما لا يزال الصهاينة حاليا يمنون به المطبعين والسائرين في طريق التطبيع.
        وكما فعلنا في المدخل أعلاه فإن صلب الحديث سيتضمن نصوصا أخرى تؤكد فيما ورد في النص أعلاه في حوار "هرتزل" مع المسؤولين الايطاليين ومع رئيس الكنيسة الكاثوليكية البابا في روما.
 
 
الاستمرار، وانعدام الإيمان
        تحدثنا في حديث الجمعة الأخير عن الرد الحاسم الذي تمسك به السلطان عبد الحميد تجاه الإلحاح الكبير الذي كانت تبذله الصهيونية العالمية ورئيسها ومؤسس و وواضع مشروع الدولة اليهودية "هرتزل"، ووعدنا أننا نعود للموضوع وذلك من أجل إلقاء بعض الضوء على أصل المسألة من جهة، ومن جهة ثانية من أجل مقابلة ومقارنة ما تبذل الصهيونية من جهة حاليا من أجل التطبيع والمطبعين، وكذلك لإظهار مدى ارتباط سياسة الأمس بسياسة اليوم، مع تغير الأشخاص وتغير الظروف، ولكن السياسة وأسلوب العمل لا يزالان كما كانا من قبل، فالوسائل التي كانت الصهيونية تستعملها هي التي لا تزال مستعملة اليوم، وان الذي أصبح اليوم مفقودا لدى أحد طرفي الصراع هو الإيمان والعقيدة والالتزام المبدأي بأصول الجهاد والدفاع عن المقدسات، ووضعها ووضع الدفاع عنها في الموضع الصحيح من العمل.
الدفاع بين الماضي والحاضر
         إن الذي يهرولون اليوم للتجاوب مع السياسة الصهيونية ومطالبها من العرب لم يكونوا في يوم من الأيام هم الذين دافعوا عن المقدسات أو حموها ممن يكيدون لها، ويدبرون أمر تدميرها ومحوها أو الاستيلاء عليها، لقد كان صلاح الدين رمزا لذلك الدفاع والجهاد. ومعروف من هو صلاح الدين ومن أي قوم هو. وكان "قطز" ومعروف من هو  "قطز" كذلك وكان غيرهما من السلاحفة والعثمانيين الأتراك وآخرهم "السلطان عبد الحميد الثاني" وقد كان العرب في مقدمة جيوش الاستعمار في الحرب العالمية الأولى لتنفيذ السياسة الصهيونية الاستعمارية لأن الصهيونية والصليبية هما طليعة الاستعمار الغربي وهما يمشيان في ركابه منذ بدأ وحتى الآن.
الإرث التاريخي
        وقد اقتبستا من أفكار ونصوص من كتاب "تشريح جثة الاستعمار" ما يؤكد ذلك ونريد اليوم أن نتحدث سواء في صلب الحديث أو في مدخل الحديث عن نصوص وفقرات مأخوذة من كتاب يوميات "هرتزل" هذا الصهيوني المؤسس الذي لم يترك الدنيا دون أن يوضح مواقف الأشخاص والدول والملوك والوزراء وقادة الرأي والساسة الذين كانت مقاليد الأمور بين أيديهم عندما بدأ حركته، هذه المقاليد التي حاول أن يستثمرها بأسلوب واضح لا غبار عليه يرتكز على الرشوة والإيقاع والدس والكذب والنفاق والمراوغة ولكن الهدف كان واضحا وضوح الشمس في كبد السماء، وهو يسعى إليه بخطى حثيثة وبروح لا تعرف اليأس أو الكلل أو الملل، لأن القضية التي ندب نفسه لها كانت اكبر لديه من كل شيء، بل هو مستعد للتضحية بكل شيء بالمال وغيره وسفك الدماء والحروب التي من طبيعة الحال لا تمس المال اليهودي ولا الإنسان اليهودي الضعيف السكين في نظره. والذي يبحث له عن الملجأ، ولكن الملجأ يجب أن يكون فلسطين ولا غير فلسطين.
        إن مرجعنا اليوم كما هو  يوميات "هرتزل" التي وضع خلاصتها وأعدها للطبع أنيس صايغ وترجمة هكذا شعبان صايغ وانيس لخص أهداف وسياسة الحركة الصهيونية فيما يلي:
خلاصة الأهداف
        «يمكن استخلاص أربعة أحكام رئيسية عامة على الحركة الصهيونية يوميات هرتزل، حيث يجد الباحث عشرات الإثباتات على كل حكم من هذه الأحكام  وهي:
        أولا: إن الحركة الصهيونية حركة استعمارية، وأنها ولدت في حضن الاستعمار، وإنها كانت تعتمد على مساندة الاستعمار.
        ثانيا: إن الوسائل التي اتبعها الصهيونيون، أو دعوا إلى إتباعها، لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين العربية، إنما هي وسائل لا أخلاقية كالرشوة، والكذب، والعنف، والانتهازية.» وازدادت اليوم تنوعا وفتكا.
        ثالثا: إن الحركة الصهيونية، من أساسها، حركة يمينية تقاوم الاشتراكية وتتآمر عليها وتحاربها».
        رابعا: إن ما قاله أعداء اليهود وأعداء الصهيونية في اليهود وفي الصهيونية، في مئة السنة الأخيرة، لم يكن بأعنف ولا بأسوأ مما قاله "هرتزل" نفسه في اليهود وفي الصهيونيين».
القواعد الأربع أو الخمس
        هذه هي القواعد الأربع التي تتجمع خيوطها من يوميات هرتزل صفحة بعد أخرى، بشكل أقوى وأصرح وأعنف، وأبعد أثرا، مما تتجمع من أي مصدر يهودي صهيوني آخر. وهو ما يدعونا، في هذا الكتاب وفي مقدمته بشكل خاص، إلى لفت نظر القارئ العربي (وخاصة الذي يعمل في الحقل الإعلامي، محليا وعالميا) إلى أهمية والى ضرورة الاعتماد على يوميات هرتزل كمصدر رئيسي في فضح الحركة الصهيونية ورجالها ووسائلها، بدل الكثير من المصادر التي جرت العادة أن يعتمد دعاتنا وإعلاميونا عليها، على الرغم من محاذير ذلك الاعتماد وأخطاره أحيانا. وأنا أقصد هنا، وبالذات، كتاب برتوكولات حكماء صهيون، واسع الصيت والانتشار في العالم وبين العرب». (ص12-13).
        ونضيف لهذا القواعد الأربع التي لا تخطئها العين ولا يتورى الصهاينة عن التعبير عنها وهذه القاعدة الخمسة هي محاربة الإسلام والمسلمين والكيد بكل الوسائل للمسلمين ودينهم وشريعتهم.
        في إطار المساعي الكبرى التي يندلها "هرتزل" من أجل إقناع الدول بقضيته وقضية اليهود المساكين والسعي لديهم من أجل التوسط لدى السلطان عبد الحميد زار ايطاليا وكتب تقريرا عن هذه الزيارة ضمنه مقابلة مع البابا وذلك بتاريخ 25 يناير 1904 جاء في المذكرات. 
زيارة ملك ايطاليا
        «زرت ملك ايطالية منذ يومين، ومن خلال حديث جري بيني وبينه في عدة نواح من الموضوع استطعت أن اعرف ان الملك يعطف على قضيتنا.
        سأقابل البابا اليوم في اجتماع خاص، وكنت قد تحدثت من قبل مع الكاردينال الذي هو وزير الخارجية. وغدا سأقابل وزير الخارجية في إيطالية سينيور تيتوني. ولذلك، إن لم أكن مخطئا، فإن القضية قد تقدمت خطوات في البلاط الملكي وفي الفاتيكان. ويبدو لي أننا قد تخطينا الآن معظم الصعوبات الكبيرة التي كانت قائمة. والتي كانت قبل ست سنوات تقف حائلا في وجه مساعدة ألمانية لنا. يبدو لي هذا بعد الذي قد قدمته لك في تقرير منذ بضعة شهور عن وقف انجلترا وروسية والنمسا وخاصة بعد إعلان الحكومة الروسية الذي أعطيته للنشر وهو قبول تأسيس دولة يهودية في فلسطين. وسوف يسرني جدا لو سمح لي بأن أقدم تقريرا شفهيا عن تطور الأحداث الراهنة لصاحب الجلالة قيصر ألمانية. فحبذا لو طلبت لي يا صاحب السمو موعدا من القيصر كي أذهب إلى برلين لهذه الغاية.» (ص1601).
مقابلة البابا
        وفي ذلك اليوم نفسه، 25/1/1904، اجتمع هرتزل إلى الباب في روما، وقد وصف المقابلة في يومياته بما يلي:
        «استقبلني واقفا ومد لي يده، التي لم اقبلها. كان ليباي قد قال لي أنه يجب أن أقبل يده، ولكني لم أفعل. أظن أني استفززت غضبه، لأن كل من يزوره يركع، أو على الأقل يقبل يده.
        «لا نستطيع أن نقبل بهذه الحركة. لا نقدر أن نمنع اليهود من الذهاب إلى القدس ولكن لن نرضى به رسميا أبدا. إن تراب القدس، إن لم يكن دائما مقدسا، فقد قدسته حياة المسيح الذي عاش عليه، وكرئيس للكنيسة لا استطيع أن أقول غير هذا. لم يعترف اليهود بسيدنا ولذلك لا نستطيع أن نعترف بالشعب اليهودي.»
        وهكذا ابتدأ مرة ثانية النزاع بين روما، التي يمثلها البابا، وبين القدس التي أمثلها أنا.
        وحاولت في البدء أن أكون مسالما وتلوت عليه مقطوعتي عن إخراج مدينة القدس عن نطاق حكم الدولة، وإبعاد الأماكن المقدسة عن مناطق العمل. ولكن ذلك لم يترك فيه أي اثر، وأعاد قوله أن القدس يجب ألا تكون بأيدي اليهود. فسألت: «وحالتها الراهنة؟ يا قداسة البابا».
        قال: أعرف أن كونها الآن في حوزة الأتراك سيء، وهذا ما علينا أن نتحمله، ولكن لا يمكن أبدا أن ندعم اليهود في الاستيلاء على هذه الأماكن المقدسة.
        قلت ان غايتنا هي فقط لتخفيف آلام اليهود ولا غاية دينية لنا أبدا.
البابا يرفض
        أجاب: «نعم ولكننا، وخصوصا أنا كرئيس للكنيسة، لا يمكن أن نقبل بهذا. أي إن هناك إمكانيتين. أما أن يظل اليهود متمسكين بإيمانهم ويظلون ينتظرون المسيح، الذي بالنسبة لنا قد جاء، وبهذا يكونون منكرين الوهية المسيح ولا نستطيع أن نساعدهم، أو يذهبوا إلى فلسطين بدون أي إيمان، وهذا بالطبع يجعلنا أقل عطفا عليهم ونصرة لهم.
        إن ديانة اليهود هي أساس ديننا ولكنها قد ألغيت بتعاليم المسيح، ولا يمكن أن نقر لها بأكثر من هذه الحقيقة. فاليهود الذين كان يجب أن يكونوا أول من يعترف بالمسيح لم يعترفوا به حتى اليوم.»
        وكدت أن أقول: «هذا ما يحدث في كل عائلة، لا أحد يؤمن بأقربائه» ولكني عدت فقلت: «ربما كان ذلك بسبب التخويف والاضطهاد، فهما ليسا أفضل وسيلة لتنوير اليهود.»
        وهنا أكمل حديثه بكثير من البساطة:
        «ولكن الهنا جاء بدون قوة،  كان فقيرا، وكان مسالما، لم يضطهد أحدا إنما اضطهد وتخلى عنه حتى تلاميذه. ولم يقو إلا بعد مدة، وقد مرت ثلاثة قرون حتى تأسست الكنيسة ونمت، لذلك كان هناك وقت مع اليهود كي يعترفوا بالمسيح بدون ضغط، ولكنهم لم يفعلوا حتى اليوم.»
        قلت: «ولكن اليهود يا صاحب القداسة في حالة سيئة جدا ولا أدري إذا كانت قداستك تعرف عن مدى سوء هذه الحالة. نريد أرضا لهذا الشعب المضطهد».
        «أيجب أن تكون هذه الأرض القدس؟»
        «نحن لا نطلب القدس، نطلب فلسطين، الأرض غير المقدسة منها»
        «لا يمكننا أن ندعم هذا.»
        «هل تعرف قداستك شيئا عن حالة اليهود؟».
        «نعم، منذ أيامي في مانتو. كان فيها يهود، وكنت أنا على علاقة طيبة معهم. منذ يومين فقط زارني رجلان يهوديان. وبعد فهناك علاقات أخرى غير العلاقات الدينية، الاحترام والخير. نحن لا ننكر على اليهود مثل هذه الأمور. إننا نصلي من أجلهم كي تستنير عقولهم. واليوم بالذات تحتفل الكنيسة بعيد ذلك الرجل الذي لم يكن مؤمنا والذي اهتدى بأعجوبة، وهو في طريقه إلى دمشق، إلى الإيمان الحق. لذلك فإن ذهبتم إلى فلسطين واستوطن شعبكم هناك، فسوف نهيء الكنائس ورجال الدين لتعميدكم جميعا.»
        وهنا أعلن عن قدوم ليباي، وسمح له البابا بالدخول فدخل وركع وقبل يده ثم اشترك في الحديث فاخبر عن التقائنا «العجائبي» في قاعة باور بير في البندقية. كانت الأعجوبة في أنه كان قد قرر في الأساس أن يصرف ليلة في بادوا وصدق إن طلبت أنا أن يسمح لي بتقبيل قدم قداسة البابا.
        هنا بدا على وجه البابا الامتعاض، ذلك أني لم أقبل حتى يده. وأكمل ليباي حديثه بأن أخبره بأني أبديت إعجابي بمزايا يسوع النبيلة. وكان البابا يستمع وهو بين الآونة والأخرى يشم عطوسا ويعطس في منذيل كبير أحمر. إني أحب فيه هذه اللمسات الريفية وأحترمه من أجلها. بمثل هذا الحديث كان ليباي يروي له أسباب تقديمي إليه وكأنه يعتذر له ذلك. ولكن البابا قال : "بالعكس أنا مسرور لأنك أخضرته إلي».
        أما بخصوص الموضوع الذي جئت من أجله فقد أعاد ما كلن قد قاله: «لا لا نستطيع».
        وحتى بعد أن أمر بانصرافنا ظل ليباي راكعا أمامه وكأنه لا يشبع من تقبيل يده، وهنا عرفت أن البابا يحب مثل هذا ولني حتى عند الوداع لم أزد على أن شددت على يده بشيء من الدفء وانحنيت انحناءة قليلة.
دامت المقابلة 25 دقيقة.
        وفي غرف رافاييل، التي قضيت فيها بعد ذلك ساعة، رأيت صورة أحد الأباطرة راكعا أمام بابا جالس يضع على رأس الإمبراطور تاجا.
        هذا ما تريده رومه. (ص 1602).
        بعد ذاك قابل هرتزل وزير الخارجية الإيطالية، تيتوني، في 26-1-1904:
        «دامت المحادثة عشر دقائق فقط، ولكنها كانت ممتازة. إن الملك الشجاع كان قد هيأ لكل شيء، فذكاؤه وفروسيته عظيمان بقدر ما قامته صغيرة. لم يكن قد وعدني شيئا. ولكن تيتونيـ بناء على تعليمات من الملكـ صرح بأنه مستعد أن يفعل كل ما يستطيع سيكتب إلى السفير في الاستانة كي يسير في العمل مع روسية. طبعا لم يكن توسط الملك ليقدم لو لم يتأكد من قبوله " (1602). من المذكرات الأصل ص:322 وما بعدها من النص العربي الأجنبي صايغ.
مع الحكومة الايطالية
        وفي 4-2-1904 قدم هرتزل إلى الوزير الإيطالي مذكرة بمطالبه بناء على طلب الوزير:
        «إن الحركة الصهيونية التي تمثلها المؤتمرات السنوية والتي يحضرها مندوبون من جميع البلدان، هدفها أن تؤسس وطنا شرعيا للشعب اليهودي. وأنا بصفتي رئيسا للجنة العمل قد اتصلت بجميع الحكومات التي يهمها هذا الأمر.
        وعملت جهدي قبل كل شيء أن أقيم علاقات مع الحكومة العثمانية، وقد اجتمعت بالسلطان في مقابلة خاصة ودعاني في مناسبات مختلفة أن أذهب إلى الإستانة، وقد ذهبت، ولكن عندما رأيت أن هذه المحادثات لم تؤد إلى تقديم ملموس، حاولت أن أتصل بالدولة الكبرى التي يهمها الأمر. كانت ألمانية لأول من ساند الفكرة الصهيونية. وقد استقبلني القيصر رسميا في القدس سنة 1898 كمندوب للحركة الصهيونية ووعد بأن يكون مهنا. وقد ظلت الحكومة الألمانية تعطف علينا منذ ذلك الوقت، وجاء التوكيد على هذا في رسالة بعث بها إلى دوق بادن، في 30 ايلول 1903.
         كذلك أبدت الحكومة الإنجليزية اهتمامها بالحركة الصهيونية فقدمت لنا رسميا مقاطعة كبيرة من الممتلكات البريطانية في إفريقيه الشرقية. والحكومة النمساوية تعطف أيضا على جهودنا كما أكد لي رئيس وزرائها كوير بر في رسالة بعث بها إلي في 28 أيلول سنة 1903. ولكن أهم مساندة تأتينا من روسية. كتب لي الوزير فون  بليفيه رسالة في اب 1904  تجد طي رسالتي هذه نسخة عنها، يقول فيها أن هذا البيان الحكومي يقدم إلي بأمر من صاحب الجلالة الإمبراطور ويصرخ لي بإعلانه للعموم. وفي 23 تشرين الثاني -6 كانون الأول 1904، أخبرتني الحكومة الروسية أن السفير الروسي في الاستانة قد تلقى تعليمات كي يتوسط مع الباب العالي من أجل المقترحات الصهيونية . إن بيان الحكومة الروسية  الصادر في 30 موز - 12 اب يعطينا مما طلبنا نحن. نحن لم نطلب دولة مستقلة في ف فلسطين، خوفا مما قد يسببه لنا مثل هذا الطلب من صعوبات، كل ما نطلبه هو أن يستوطن الشعب اليهودي في فلسطين تحت إمرة صاحب الجلالة السلطان، ولكن بشروط الحماية الشرعية ويكون لنا أمر إدارة مستعمراتنا، واحتراما لمشاعر جميع المؤمنين تخرج الأماكن المقدسة عن نطاق الحكم إلى الأبد.
         وكل ما نطلبه من الحكومة العثمانية هو امتياز باستعمار سنجق عكا، ومقابل هذا نتعهد بأن ندفع للخزينة العثمانية جزية سنوية قدرها مئة ألف ليرة تركية. لذلك فإن اقتراحنا سيعود على الحكومة العثمانية بفوائد مهمة.
        فبينما يسهل ذكر هذه الفوائد، يصعب جدا أن يتمكن الإنسان من  وصف الحالة السيئة التي يقاسي منها يهودنا المساكين في روسية ورومانية وجاليسية ، وغيرها.
        الهجرة إلى أميركا لا تقدم حلا، إينما يذهب اليهود يجدون أنفسهم في المشاكل السياسة والاجتماعية والاقتصادية نفسيا، حتى في البلدان الحرة، التي بدأت أيضا تغلق أبوابها في وجه الهجرة.
        اللاسامية تصعب على اليهود حياتهم في كل مكان. أما بالنسبة لإيطاليا فإن هذه المشاكل والمآسي إنما هي صدى بعيد، والمسألة اليهودية لم تطرق ايطالية أبدا، ولهذا السبب بالذات تستطيع حكومتها أن تقدم للإنسانية خدمة عظيمة وذلك بمد يد المساعدة لحل هذه المسألة المملوءة بالأحزان.
        إن رسالة من صاحب الجلالة ملك ايطالية إلى صاحب الجلالة السلطان يوصي فيها بمقترحاتنا ويقدم نصيحة حبية بأن ينظر في هذه المقترحات –أقول رسالة مثل هذه سيكون لها الأثر الحازم في إعادة فتح باب المفاوضات. والشعب اليهودي، الذي بقي قويا مستقيما بالرغم من المآسي والأحزان، سيحفظ لايطالية وملكها النبيل مثل هذا الجميل إلى الأبد.» (ص:1609).
 
        ملاحظة: أعيد فأؤكد أن أرقام الصفحات المثبتة في النص هي أرقام النص الانجليزي أما النص العربي فهو كما أسلفنا من ص:323 إلى ص:327. وسنعود في حديث قادم ان شاء الله إلى هذه النصوص بشيء من التفصيل والتحليل.
       

              


الاشتراك بالرسالة الاخبارية