Menu

لويد جورج والطريق إلى وعد بلفور..؟




ذ. محمد السوسي
 

((فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ))
مر أزيد من أربعين سنة عندما أطلق الرئيس المصري الأسبق أنوار السادات غفر الله لنا وله صيحة كبرى ونادى (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين) وكانت مصر آنذاك تعيش مخاضا كبيرا وثورة عارمة ضد سياسته الخارجية والداخلية وبالأخص عندما وقع اتفاقيات كامب ديفيد وكان في مقدمة من عارض تلك السياسة وتلك الاتفاقية في مصر التيارات الإسلامية على اختلاف مسمياتها وفي أثناء هذا الصراع كانت مقولة المرحوم عمر التلمساني أحد قادة العمل الإسلامي التي قال فيها للرئيس إني (أشكوك إلى الله) فأجابه أنوار السادات لا تشكوني إلى الله فإني أخاف الله. وبقيت ما جرى في مصر آنذاك من أحداث معروف ولا يزال الناس يتذكرونه, ولا نترك هذه الإشارة دون الإشارة كذلك الى جواب الشيخ الشعراوي رحمه الله حينذاك لإحدى المجلات المصرية عندما سئل عن رأيه فيما قاله الرئيس السادات حول الدين فأجاب بجواب يجمع بين حصافة الرأي وقوة التعبير إذ قال (إذا كانت السياسة تعني الكذب والمراوغة والنفاق فهذه السياسة ليست من الدين وليس الدين منها في شيء، اما إذا كانت السياسة الاهتمام بأمور الناس وشؤونهم وإدارتها بالعدل والإنصاف والصدق فالسياسة من صميم الدين)، هذا مضمون ما بقي عالقا بذهني الآن لجواب الشيخ الشعراوي. ولعل هذا الجواب هو لب ما يعنيه الاهتمام من لدن العلماء الصادقين والدعاة المخلصين النزهاء عندما يربطون الدين بالسياسة وأعني الإسلام بصفة خاصة.

لقد تذكرت هذا وغيره من أحداث ذلك الزمان والى الآن ومواقف العلماء وقادة الرأي في مصر وفي غيرها من البلدان الإسلامية وهي مواقف اضر بها تصرفات فيها الغلو من جانب بعض من ينتسبون لتيارات إسلامية كما اضر بها استغلال بعض القادة والساسة ليتطرفوا في مواقفهم اتجاه الإسلام نفسه بالأخص عندما يتعلق الأمر بمواقف لا تحظى بالإجماع مثل ما أثارته اتفاقية كامب ديفيد المصرية التي جرى ما جرى في شأنها في المرحلة التي تحدثنا عنها.

ولابد من الإشارة إلى أن الذي دفعني إلى التذكير بمقولة الرئيس السادات وما تلى ذلك هو ما سمعته من وسائل الإعلام مؤخرا ومن هذه الوسائل الإعلامية من خصص وقتا طويلا لمناقشته وهو صدور فتوى في مصر تحرم الانتماء إلى جماعة دينية وسياسية هي جماعة من صميم السياسة المصرية وأحداث مصر منذ 1928م .

وقد كان ما يجري في الساحة المصرية والعربية والإسلامية في حينها تأثير في نفوس مؤسسيها، ونحن هنا لا نقوم بتقويم دور هذه الجماعة وعلاقتها بالسياسة ورجالها في بلادها أو في غيره من البلدان فذلك شأن يخص مصر ويخص مختلف الأطراف الفاعلة فيها، ولكن هناك شيء مشترك بين كل المسلمين والمهتمين بشؤونهم في هذا الصدد وهو إقحام الحلال والحرام في ممارسة العمل الجمعوي مهما كان شأنه ونوعه واهتماماته إذ هو أمر تضبطه قوانين كل دولة ضبطا مدنيا وفق الأوضاع والمصالح لتلك الدول أما الجانب الديني والحلال والحرام فهو أمر لا يمكن لمسلم إلا ان يهتم به، لأن الإسلام وشريعته والحلال والحرام من حق كل مسلم أن يهتم به وان ينظر إلى مصدره وفق الضوابط التي وضعت لذلك والقواعد الأصولية التي تعتمد الكتاب والسنة، وهي قواعد لا تسمح لأي كان أن يعبث بها وأن يزج بها في أتون السياسة الحزبية وبالأخص عندما يتعلق الأمر بمؤسسات دينية مثل الجامعات والمعاهد الإسلامية التي هي ملك للمجتمع بأكمله وكذلك المساجد والقائمين عليها فلا يمكن بحال من الأحوال أن يكونوا أداة لخدمة السياسات الحزبية سواء من طرف الحكومات أو الجمعيات والجماعات والأحزاب السياسية، لأن إقحام المؤسسات الدينية في ذلك يفقدها مكانتها وحرمتها ودورها في تبليغ شرع الله وأحكام الكتاب والسنة، بالإضافة إلى أن استعمالها السياسي ينتج عنه من الضرر للجميع ما لا يستطيع احد تداركه، وليس معنى ذلك أن الحديث عن القيم التي جاء بها الإسلام من عدل وكرامة واحترام لجميع الناس ولجميع العقائد والملل المتساكنة في المجتمعات الإسلامية لا تعنى به هذه المؤسسات.

إن للدين حرمته وهو يهتم بشؤون الناس دينية كانت أو سياسة أو اجتماعية أو أخلاقية في مبادئها العامة التي يجتمع الناس حولها، أما ما يفرق بين الناس ويجعل هذه المؤسسات ميدانا للتطاحن والصراع فلا يخدم إلا الفتنة والبلبلة داخل المجتمع.
وقد سن الإسلام وعلماؤه الذين امتازوا بالصلاح والتقوى والخوف من الله أصول الخلاف والمناظرة التي تبتعد عن الإفراط والتفريط والغلو أو التفسيق أو التبديع أو التكفير أو التحريم إذ التحريم والتحليل من اختصاص الخالق سبحانه بواسطة أنبياءه ورسله.

وختاما الفصل في كل ذلك للكتاب والسنة اللذين يحددان ما يضر وما ينفع وما يحل وما يحرم وما يبقى وما يزول كما قال سبحانه: ((أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚكَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚفَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚكَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)). (سورة الرعد الاية: 14)
 
***********
في حديث الجمعة الأخير اشرنا إلى أننا أجلنا الحديث عن أحد رؤساء الحكومات الانجليزية اللذين ساهموا في وضع السياسة الاستعمارية المتحالفة مع الصهيونية وأطماعها في فلسطين والتي لا يزال أثرها السلبي يؤثر في واقع الحياة فيما يسمى بالشرق الأوسط، ورئيس الحكومة الذي نعنيه هو (لويد جورج) الذي تولى رئاسة الحكومة الانجليزية في دجنبر 1916م وذلك من خلال تحليل مهم لدور هذا المسؤول الحكومي الكبير في تحضير وعد بلفور وذلك من خلال ما كتبه (دافيد فرومكين) في كتابه المهم والمتميز جدا بعنوان: (سلام ما بعده سلام ولادة الشرق الأوسط 1914-1922). وترجمة: اسعد كامل إلياس نشر: دار رياض الرايس والمؤلف محامي أمريكي متخصص في القانون الدولي والكتاب في هذه الترجمة والطبعة في حوالي 650 صفحة. وفي الجزء السادس من الكتاب الفصل الثاني منه اورد عنوانا هو: صهيونية لويد جورج والفصل الثالث بعنوان: في الطريق الى اعلان بلفور اما الفصل الرابع والذي أنهى به الجزء فيحمل عنوان: ارض الميعاد.  
وقد افتتح المؤلف الفصل الثاني من كتابه بمقارنة بديعة ودالة بين الرئيس الأمريكي ولسن ورئيس الحكومة الانجليزية لويد جورج بقوله:
مقارنة بين رئيسين
 ((بين البشر لا يمكن أن نجد رجلين أقل تشابها مما كان الحال بين الرئيس الأمريكي المتقشف ورئيس الوزراء البريطاني الساحر والمنحل أخلاقيا. بيد أنهما كرجلين سياسيين، كانا متشابهين: فكلاهما كان محبا للعزلة ووصل إلى السلطة عبر ضربة حظ ناشئة عن انشقاق حزبي، وكلاهما طبق سياسة خارجية ذات طابع شخصي متجاوزا وزارة الخارجية في بلده. وكان كل من ويلسون ولويد جورج كارها أن تنجر بلاده إلى الحرب، ثم بعد أن اختار كل منهما الحرب رأى من العسير أن يحافظ على دعم مؤيده من دعاة السلم المعادين للحزب. وكلاهما كان من اليسار السياسي ولكن أوجه الشبه بينهما تقف عند هذا الحد، إذ بينما كان ويلسون يسير في اتجاه متزايد التقدمية والمثالية، كان لويد جورج يفعل العكس تماما)). (ص:225).
الأتراك يجب أن يذهبوا
 ويلخص الكاتب بعد ذلك السياسة التي يسعى الغرب الى تحقيقها في الشعار المرفوع الأتراك يجب أن يذهبوا.
عندما تولى رئيس الوزراء البريطاني الجديد منصبه في نهاية عام 1916 وبداية عام 1917 حمل معه الحماسة الراديكالية القديمة العهد، لأهداف انبثقت من الحرب، مثل تدمير الإمبراطورية العثمانية الرجعية –هذه الأهداف التي هي صدى أيام عز ليبرالية القرن التاسع عشر. كان أحد الإجراءات الأولى التي اتخذها لويد جورج عندما أصبح رئيسا للوزراء أن يأمر جيوشه في مصر بالانتقال إلى مرحلة الهجوم وكان احد إجراءاته الأخرى انه أمر جون بوتشان، وكان قد عينه بناء على اقتراح ميلنر مديرا للإعلام، بأن يشرع في حملة دعائية تصور تدمير الإمبراطورية العثمانية هدفا رئيسا من أهداف الحرب. وقد استحوذت هذه الحملة على خيال الناس. وبرهن شعار "الأتراك يجب ان يذهبوا" على أنه شعار فعال. إن هذه الحملة الدعائية شأنها شأن نقاط ويلسون ومبادئه، أثبتت، على الأقل في المدى القصير أنها سياسة جيدة. (ص:296).
الخلاف مع الجنرالات
ويتحدث المؤلف عن الصراع بين رئيس الوزراء وقادة جيشه وانحياز الملك لرأي قادة الجيش وهو أمر لافت للنظر قائلا:
((إن برنامج لويد جورج القاضي بإرسال قوات للقتال في الشرق قد وضعه في نزاع مباشر مع جنرالاته، إذ أنهم استمروا في المطالبة بأن يكون لهم الإشراف الأعلى على القرارات العسكرية، وقد أيدهم في ذلك الملك جورج. وكانت إستراتيجيتهم، كعهدها دائما، تقضي بتركيز كل الموارد على الجبهة الغربية، وقد عبروا عن تذمرهم لأن رئيس الوزراء الجديد يتحدى رأيهم المهني. وتناول الموضوع أصدقاؤهم الصحفيون في شارع الصحافة –شارع فليت. وفي أوائل شهر كانون الثاني (يناير) هدد قطب الصحافة، اللورد نورثكليف، وعزا نورثكليف إلى نفسه الفضل في إسقاط لويد جورج في كانون الثاني (يناير) إذا شاء أن يسقطه)). (نفس الصفحة)
إنذار
((في الوقت نفسه طلبت وزارة الحربية إلى شخص مقرب من لويد جورج أن ينذره بأن الجنرالات عازمون على مقاتلته وأنه "قد لا يخرج بخير من هذا القتال". وفي ألمانيا كانت هيئة الأركان العامة تتجه نحو عزل المستشار المدني. ولذلك فإن رئيس الوزراء البريطاني بعدما رأى أن الملك وزعماء حزبه الليبرالي والصحافة والجنرالات يقفون جميعا ضده لم يعد واثقا من أن هيئة الأركان العامة لقوات الإمبراطورية البريطانية لن تقدم على محاولة مماثلة كان زمنا من أزمنة السياسة العالمية بدا فيه أي شيء ممكنا حتى ما كان في السابق أمرا لا يخطر في الخيال)) (نفس الصفحة).
الرشوة
 ويستخدم لويد جورج الاسلوب الذي يتقنه الغرب ولا يزال يستعمله وهو تقديم رشاوى للمسؤولين في ديار العرب والمسلمين، ويبرزه الكاتب وهو الرشوة بمفهومها العام قائلا:
((لم تنقض أشهر على تولي لويد جورج منصبه حتى كان قد شرع في مفاوضات سرية مع أنور باشا، أحد زعماء حزب تركيا الفتاة. وكان وكيله في المفاوضات هو فينسنت كيلارد، المدير المالي لشركة فيكرز الضخمة التي تنتج أسلحة، والذي سبق أن أمضى سنين عديدة في القسطنطينية رئيسا لمجلس إدارة الدين العام العثماني. وكان كيلارد بدوره يقوم بهذه المهمة عبر شريك تجاري مقرب منه، هو بازيل زاخاروف، الذي شق طريقه من عالم الجريمة في أزمير ليصبح أشهر بائع سلاح سيء الصيت في العالم، وأطلقت عليه الصحافة لقب «تاجر الموت» وقد سافر زاخاروف إلى جنيف في عام 1917 و 1918، وأبلغ كيلارد أنه يستطيع إجراء مفاوضات مع أنور باشا أولا عن طريق وسيط ثم وجها لوجه)).
حماية فلسطين
وفي الفقرة التالية يبرز الكاتب اهتمام رئيس الوزراء البريطاني وإلحاحه على حماية بريطانيا لفلسطين بقوله:
((وقد عرض رئيس الوزراء البريطاني بواسطة مبعوثه رشاوي –حسابات كبيرة في المصرف- إلى أنور وشركائه مقابل الخروج من الحرب بموجب شروط بريطانيا، وهي: أن تستقل شبه جزيرة العرب، وأن تتمتع ارمينيا وسورية بحكم ذاتي محلي ضمن الإمبراطورية العثمانية، وأن تصبح بلاد الرافدين وفلسطين محميتين بريطانيتين على أساس الأمر الواقع. مثل مصر قبل الحرب، ولكن تحت السلطة العثمانية من حيث الشكل وضمان حرية الملاحة في الداردنيل. مقابل ذلك عرض لويد جورج أن تظل الامتيازات (أي المعاهدات التي تمنح الأوروبيين معاملة الأكثر رعاية) ملغاة، وتعامل تركيا معاملة مالية سخية لمساعدتها على إنعاش اقتصادها. لقد اختلفت الشروط التي عرضها لويد جورج بطريقتين هامتين عن تلك التي ارتأتها حكومة اسكويث السابقة: فرنسا وايطاليا وروسيا لن تنال شيئا، وبريطانيا ستنال فلسطين وبلاد الرافدين)).
عرض مرفوض
وينهي الباحث هذه المحاولة في رشوة انور باشا بأنه رفض تلك الرشوة متمسكا بموقف الحكومة التركية.
((تشير تقارير زاخاروف –التي يصعب الحكم على مدى الصدق فيها- إلى أن أنور، بعد تبدلات زئبقية في التفكير والمزاج، لم يقبل العرض الذي قدمه لويد جورج، ولا يبدو أنه كانت لديه النية جديا على الإطلاق أن يقبل العرض. ولكن التعليمات التي تلقاها زاخاروف تكشف نيات لويد جورج إزاء الشرق الأوسط.)) (صفحة 299).
مصير فلسطين
وقد اهتم المؤلف اساسا وهو يتحدث عن انحيازه للحركة الصهيونية عن جلسة سرية للحكومة الانجليزية ليبرز ضرورة الاستحواذ على فلسطين قائلا:
((في جلسة سرية عقدها مجلس العموم البريطاني في 10 أيار (مايو) 1917، فاجأ رئيس الوزراء حتى أحد معاونيه المقربين عندما قال، دون أي لبس أن بريطانيا لن تتخلى عن المستعمرات الألمانية في إفريقيا المستولى عليها في الحرب، ولن تسمح لتركيا بأن تحتفظ بفلسطين أو بلاد الرافدين. كانت لدى لويد جورج أفكار محددة بشان مستقبل الأراضي العثمانية المحررة ولكن لا أحد من زملائه كان مطلعا عليها.  فهو قد تجنب القنوات الرسمية ولم يطلع أحدا عليها بتفاصيلها سوى في مجرى مفاوضاته السرية مع أنور باشا. ومن هنا أهمية ما تكشفه.
كان في نية رئيس الوزراء أن ينكر على فرنسا الوضع الذي كان سيرمارك سايكس قد وعدها به في الشرق الأوسط بعد الحرب، ورأى أن اتفاقية سايكس- بيوكو ليست ذات أهمية، وكل ما يهم هو الحيازة الفعلية. وفي ما يخص فلسطين فقد أبلغ السفير البريطاني لدى فرنسا في نيسان (ابريل) 1917 أن الفرنسيين سيجبرون على قبول أمر واقع: «سنكون هناك بقوة الفتح وسنبقى».)) (صفحة:300).
الخلفية الدينية
ويتحدث المؤلف عن الخلفية الفكرية والعقدية للويد جورج قائلا:
((كانت لمعتقدات لويد جورج خلفية يجهلها زملاؤه إلى حد كبير. فهو خلافا لاسكويث وأعضاء مجلس الوزراء الآخرين، لم يدرس في مدرسة خاصة من المدارس البريطانية التي تشدد على تعليم اليونانية واللاتينية وآدابهما القديمة. لقد تربى على دراسة الكتاب المقدس. وكثيرا ما ذكر أن أسماء الأماكن الواردة في الكتاب المقدس يعرفها بأفضل مما يعرف أسماء المعارك والحدود المتنازع عليها في الحرب الأوروبية. وكان في حديثه عن هذه الأماكن يعبر عن نفسه بحرارة. وقد كتب في ما بعد في مذكراته أنه كان قد اعترض على تقسيم فلسطين وفقا لاتفاقية سايكس-بيكو (معظم فلسطين من نصيب فرنسا أو من حصة المنطقة الدولية) لأن هذا التقسيم يشوه البلد. وقال إن الأمر لا يستأهل كسب الأرض المقدسة لمجرد "تحطيمها إلى أجزاء أمام الرب". وأكد "إن فلسطين، في حال استعادتها، يجب أن تكون واحدة غير قابلة للتقسيم من أجل تجديد عظمتها ككيان حي».)) (صفحة 301).
الإنجيليون الجدد
ويتحدث المؤلف عن الأسطورة التي تعتبر أساس عقائد الإنجيليين الجدد ويوضحها بشكل كبير هذه الأسطورة (هرمونج دين) هي التي لا تزال تحرك عددا كبيرا من الساسة والمسؤولين في الولايات المتحدة الأمريكية وقد صدر في شأنها الكثير من المؤلفات والدراسات والمؤلف يتعرض لذلك بشكل دقيق وبصفة خاصة اعتقاد لويد جورج لهذه المعتقدات قائلا:
((وخلافا لزملائه كان يعرف معرفة أكيدة وجود اتجاهات عمرها قرون في فكر إتباع الكنيسة الإنجيلية والمنشقين عن الكنيسة البروتستانتية، نحو تقدم الصفوف لإعادة اليهود إلى صهيون وحقيقة الأمر أن هذه الاتجاهات شكلت خلفية عقيدته الانشقاقية عن الكنيسة. وكان هو الأحدث في سلسلة طويلة من الصهاينة المسيحيين في بريطانيا، وتعود هذه السلسلة في بدايتها إلى البيوراتنيين (الصفويين) البروتستانت والى العصر الذي أبحرت فيه السفينة ميفلاور في طريقها إلى العالم الجديد. لقد كانت الأراضي الموعودة تخطر في البال كثيرا في تلك الأيام، سواء في الولايات المتحدة أو في فلسطين.))
استعداد للهجرة
 في منتصف القرن السابع عشر، تقدم اثنان من البيوريتانيين الانكليز يقيمان في هولندا –جوان وابن عيزر كارترايت- بنداء إلى حكومتهما قالا فيه: "إن هذه الأمة الانكليزية وسكان هولندا سيكونون الأوائل والأكثر استعدادا لنقل أبناء وبنات إسرائيل في سفنهم إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب ميراثا أبديا". كان البيوريتانيون، مسترشدين بأسفار التوراة، يعتقدون أن مجيء المسيح المخلص سيكون عندما يعاد أبناء يهودا إلى موطنهم الأصلي.
عودة الفكرة
عادت الفكرة إلى الظهور: في منتصف القرن التاسع عشر، أصبح المصلح الاجتماعي انطوني كوبر، والذي صار ايرل اوف شافتسبوري، مصدر الهام لحركة إنجيلية قوية داخل كنيسة انجلترا، هدفها إعادة اليهود إلى فلسطين، وإدخالهم الديانة المسيحية وتسريع "المجيء الثاني" وأوحى شافتسبوري أيضا إلى بالمرستون، وزير الخارجية وقريبه عن طريق المصاهرة، بتوفير الحماية القنصلية البريطانية لليهود في فلسطين: لقد كتب شافتسبوري في مفكرته اليومية "ان الله اختار بالمرستون ليكون أداة خير لشعبه القديم».)) (صفحة 301)
تصرف بالمرستون بدافع مزيج من الأسباب المتعلقة بالمثل العليا والأسباب العملية التي لا تختلف عن الأسباب التي كانت حافزا لويد جورج في القرن العشرين. كان بالمرستون يلح على الإمبراطورية العثمانية لإقامة فلسطين يهودية في سياق التنافس مع فرنسا خلال اللعبة الكبرى، وفي زمن من الثلاثينيات والأربعينيات في القرن التاسع عشر، كان فيه نائب السلطان المتمرد في مصر، محمد علي، بدعم من فرنسا، قد زحف من مصر على سورية لتهديد وحدة أراضي الإمبراطورية وتهديد عرش السلطان. وكالعادة، ساند بالمرستون القضية العثمانية، كانت إحدى غاياته من الدعوة إلى فلسطين يهودية أن يعزز النظام العثماني بتوفير الدعم اليهودي له. وكان من غاياته الأخرى إحباط خطة الفرنسيين ورجلهم محمد علي بوضع وطن قومي يهودي تسانده بريطانيا على طريق زحفهم بغية إيقاف تقدم الزحف. وثمة غاية أخرى هي إيجاد جهة صنيعة لبريطانيا في الشرق الأوسط تهيئ لها عذرا للتدخل في الشؤون العثمانية.
التجزئة والتقسيم
إن الغاية كما تؤكدها الأحداث وكما يوضحها المؤلف هو وضع الاسفين عن طريق دولة غريبة في فلسطين ليتأتى تقسيم وتجزئة البلاد العربية والإسلامية وجعل الصراع بين تلك الدويلات ومذاهبها وطوائفها مستمرا حتى لا تستطيع النهوض والتقدم.
((لقد تحقق تحول جريدة "مانشستر غارديان" إلى الصهيونية في سياق الحرب العالمية الأولى، أما لويد جورج فقد انتقل إلى الصهيونية –أو بالأحرى انتقلت الصهيونية إليه- قبل ذلك بعشر سنوات. ففي عام 1903 عمل محاميا بريطانيا للحركة الصهيونية ولمؤسسها، الدكتور ثيودور هرتزل، بشأن موضوع تسبب في انشقاق ممص في صفوف الحركة الصهيونية وهو هل يجب أن تكون الدولة اليهودية بالضرورة في فلسطين. وباعتباره كان يمثل هيرتزل في لحظة اتخاذ القرار، فقد كان في وضع يمكنه من فهم الورطة التي تواجهها الحركة الصهيونية.)) (صفحة: 301).
ما قبل هرتزل
ويستطرد المؤلف للحديث عن الصهيونية مذكرا بأصولها بإيجاز قائلا:
 ((كانت الحركة الصهيونية حديثة العهد، أما جذورها فكانت قديمة قدم مملكة يهودا التي قوضت استقلالها ثم سحقتها روما القديمة، وتشرد معظم سكانها في أراض أجنبية في القرن الثاني للميلاد. ولكن أبناء يهودا –أي اليهود كما عرفوا في ما بعد- ظلوا حتى أثناء وجودهم في النفي متشبثين بديانتهم وبقوانينهم وعاداتهم التي تميزهم، وعزلوا أنفسهم عن الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها. إن وضعهم في مرتبة دنيا، والاضطهادات التي تعرضوا لها والمجازر العديدة التي حلت بهم وتكرار طردهم من بلد إلى آخر، قد عزز شعورهم بهويتهم الخاصة ومصيرهم الخاص. في نهاية الأمر –وفقا لتعاليمهم الدينية- سيعيدهم الله إلى صهيون، ولذلك كانوا خلال احتفائهم بعيد فصحهم كل سنة يرددون الابتهال «السنة القادمة في أورشليم».)).
اديولوجية أوروبا والصهيونية
ويتحدث المؤلف عن دور الايديولوجية والقومية في أوروبا وارتباط ذلك بنمو العقيدة الصهيونية:
((العودة المستقبلية إلى صهيون ظلت مجرد رؤيا خلاصية إلى أن حولتها إيديولوجية أوروبا القرن التاسع عشر إلى برنامج سياسي معاصر. كانت إحدى الأفكار المعبرة عن ذلك الزمن –وهي فكرة غرستها في كل مكان جيوش الثورة الفرنسية فأينعت وازدهرت- هي أن كل أمة ينبغي أن يكون لها بلد مستقل (مع أن مفهوم الأمة وما الذي يشكل أمة كانت بطبيعة الحال مسألة قابلة للنقاش). كان الثوري الايطالي جيزيبي ماتزيني، أبرز الدعاة إلى هذه العقيدة التي بموجبها يجب إطلاق الحرية لكل امة كي تحقق نبوغها الذي تتفرد به وتتابع رسالتها الخاصة في خدمة البشرية. وهكذا فإن قومية كل أمة لا تخدم مصالحها الخاصة فحسب، بل مصالح جيرانها أيضا. وخدمة لهذه العقيدة ناضل جيزيبي غاريبالدي زميل ماتزيني –وأعظم أبطال إيطاليا- من أجل الاوروغواي وفرنسا متلما ناضل من أجل ايطاليا.)) (صفحة:304).
أوضاع اليهود
وتحدث المؤلف عن وضع اليهود بصفة خاصة في أوروبا الشرقية ومعلوم أن هذه الأوضاع في أوروبا بصفة عامة طرحت ما سمي في القرن التاسع عشر من مسألة اليهودية يقول الكاتب:
((كان وضع اليهود خطرا للغاية في أوروبا الشرقية –الإمبراطورية الروسية ومن ضمنها بولندا، وبلدان البلطيق وأوكرانيا- كان معظم يهود العالم يعيش داخل ذلك القسم من الإمبراطورية الروسية، وقد حددت إقامتهم فيه ماداموا يعيشون ضمن ممتلكات قيصر روسيا: أي ضمن "الحظيرة" –وقلة منهم فقط- البعض بصورة غير شرعية والبعض الآخر بإذن خاص- كانت تعيش في سنت بيترسبورغ أو موسكو أو أي مكان آخر خارج «الحظيرة» وكان ضمن هذه "الحظيرة" ستة ملايين من اليهود هم يهود روسيون لم يكن مسموحا لهم أن يكونوا روسيين يهودا. لم يكونوا مقيدين بقيود قانونية بل كانوا ضحية المجازر المنظمة التي يطلق عليها اسم (بوغروم). وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين تزايدت فظاعة هذه المجازر فهرب اليهود بأعداد كبيرة من الإمبراطورية الروسية طلبا للنجاة والملجأ.)) (صفحة 305).
القومية والعلاج
 يقول المؤلف في هذا الشأن :
 ((وبما أن القومية كانت آنذاك العلاج الشافي للعلل السياسية جميعها، فقد كان أمرا محتوما أن يقترح أحد ما القومية كعلاج للمشكلة اليهودية. والحقيقة أن الوحدة القومية وتقرير المصير ضمن كومنولث يهودي مستقل قد طرحا في كتب بليغة التعبير، توصل مؤلفوها إلى استنتاجاتهم بصورة مستقلة. إذا لم يكن ثيودور هيرتزل أول من صاغ مثل هذا البرنامج، بل كان أول من أعطاه تعبيرا سياسيا ملموسا، في زمن كان فيه الرواد اليهود من روسيا قد بدأوا يقيمون مستعمرات في فلسطين دون أن ينتظروا تسوية الأمور السياسية.)) (نفس الصفحة).
 وسنعود لتتمة الحديث عن دور الرجل لويد جورج في نمو الحركة الصهيونية والتمهيد لسيطرتها على فلسطين.
 

              


الاشتراك بالرسالة الاخبارية