Menu

ومضة من مشكاة أنوار القرآن الكريم


نظرات في سورة الحج:الإيمان باليوم الآخر ركن أساس من أركان الإيمان..؟



ذ. محمد السوسي

 «يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج»    (الآية: 5) -1-

في خضم ما تعيشه الانسانية اليوم في مواجهة (كائن مجهول) مجهول الحقيقة لحد الآن لدى الناس (فيروس كورونا) ولكن آثره العجيب وفعله المؤلم واضح للعيان من خلال هذا العدد الهائل من الناس الذين اصيبوا به، نقف في هذه الآية الكريمة عن إعجاز القرآن في الخلق وعن عناد الانسان وتنكره لقدرة الخالق عن البعث والإحياء.
 
وإذا كان الابتلاء من سنن الله في الكون ليتعظ الناس ويعودوا الى ربهم في هذا الظرف الصعب فذاك ما يجب ادراكه لمن كان له قلب او ألقى السمع وهو شهيد.

ونعود الى هذه الآية التي توضح قدرة الله في الخلق والايجاد والبعث والنشور.
       
أشرنا في بداية هذه الومضات إلى الأمور التي جاءت هذه السورة لتوضيحها للناس وتبيان الحقيقة فيها حتى لا يضل الناس أو يزيغون عن المنهج الإلهي الذي جاءت الرسل تترى لتبليغه للناس، فالمؤكد من خلال تتبع الرسالات السماوية أنها كلها جاءت لدعوة التوحيد، وكذلك البعث والجزاء في يوم آخر، فكان الإيمان بالله واليوم الآخر من ركائز الإيمان التي لا يستقيم إيمان يدونها، وهذه السورة سورة "الحج" جاءت متضمنة لكثير من معالم الإيمان سواء بوجود الله سبحانه أو برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك توضيح ما ينتظر الناس من البعث والحساب.
 
وفي الومضات السابقة تعرضنا للحديث عن وقع الزلزلة وآثار وقعها على الناس ووضح القرآن في هذا السياق أن هناك فئة من الناس تجادل في الله بغير علم، وكأنها في جدالها هذا تتجاوز أمرا مهما وهو الإيمان بالبعث واليوم الآخر لذلك فإن الخطاب في هذه الآية اتجه مباشرة إلى هذه الحقيقة التي يريد القرآن إقرارها، ووجه الخطاب إلى الناس، عموم الناس في الواقع وإن كان بعض المفسرين يطرح التساؤل هل الخطاب هو فقط موجه للناس الذين يخاطبهم الرسول عليه السلام وهم قريش في ذلك الوقت أو العرب بصفة عامة؟ أو الخطاب لعموم الناس في مختلف الأزمان. والواقع أن الخطاب خطاب متجدد لأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم هي رسالة عامة، «وأرسلناك للناس كافة» «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» «تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذير» ومن هنا فإن الخطاب للناس كافة إلى يوم الدين، وهو معنى من معاني ختم النبوة وأنه لا رسالة لنبي أو رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم..

وهكذا يكون الخطاب الوارد هنا «يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث» خطابا ونداءا موجه إلى الناس الذين خاطبهم مباشرة أي إلى تلك الفئة التي أشارت إليها الآية السابقة «ومن الناس من يجادل في الله» فالخطاب لهؤلاء الناس فإذا كان جدالهم وتنطعهم الذي ليس مبنيا على العلم إنما جاء نتيجة لشكهم وريبهم في البعث والوقوف للحساب فإن هذا البعث لابد منه ولا مفر منه وذلك للحجج والبراهين الآتية، والتي وضحتها الآية.
 
والقرآن الكريم في موضوع البعث واليوم الآخر استعمل أساليب متنوعة وذلك لإقناع الناس وتوضيح الأمور أمامهم، وبين في آيات أخرى أن النشأة الأولى أصعب وأن النشأة الثانية من حيث واقع ما يشاهده الإنسان أسهل أو أهون، وإن كان الله سبحانه وتعالى لا يصعب عليه شيء أو يشق، ولكن الناس الذي جاء القرآن لمخاطبتهم وهو سبحانه اعلم بهم «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير»، ومن هنا كان التفسير والتوضيح للناس حسب ما يطرحون من الأسئلة في هذا الشأن، فعندما يسأل السائل الجاحد من يحيي العظام وهي رميم؟ يجيبه القرآن الكريم «قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم» وبجيب الذين يستبعدون البعث وهم عظام نخرة «فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة» وهكذا دواليك والقرآن الكريم في هذه الآية الكريمة يستعرض قصة خلق الإنسان وتطور هذا الخلق من تراب إلى النطفة إلى العلقة والمضغة المخلقة وغير المخلقة وذلك كله لعل هؤلاء الذين يشكون ويرتابون أن يدركوا حقيقة ما ينتظرهم والقرآن لم يكتف بتوضيح ذلك وإنما يتولى شرح ما يعتري الإنسان بعد الخلق إلى أن ينتهي أجله وهذا ما سنتعرض له بشيء من التفصيل في الومضات المقبلة إن شاء الله.

              


الاشتراك بالرسالة الاخبارية