الأخ نزار بركة في منتدى "التفكير التعادلي".. الذكاء الاستقلالي يرصد مسالك وأجرأة الخروج من الأزمة

السبت 21 شتنبر 2019

"منتدى التفكير التعادلي" صيغة تنظيمية جديدة وموازية من أجل التقائية وشحذ الذكاء الاستقلالي من مختلف تنظيماته وفعالياته القطاعية والترابية

بلادنا كلما أضاعت فرصة أو أخطأت موعدا أو أجهَضت أملا بالإصلاح والتقويم والتصحيح والتغيير الذي نطمح إليه جميعا كلما اتسعت دائرة الشك في المجتمع

بلادنا تعيش بالفعل أزمة عميقة، لأن الاستمرار في النموذج التنموي الحالي لا يمكنه إلا أن يفرز مزيدا من الخيبات ومظاهر الحيف

الأزمة تتفاقم والشروخ تتغذى من استمرار النموذج المبني على الريع والامتيازات والاستثناءات

الخروج من الأزمة لن يكون إلا نابعا من نبض الواقع العميق، ومن تفكير جماعي مغربي-مغربي بعيدا عن إسقاطات الحلول الجاهزة والوصَفات المُستوردة من أندية "التفكير-أوفشور"

حزب الاستقلال يسعى إلى استعادة المعنى والجدوى والثقة في حاضر ومستقبل بلادنا من قبل المواطنات والمواطنين


بحضور أكثر من 300 إطار من الكفاءات الاستقلالية يمثلون مختلف أقاليم وجهات المملكة وتنظيمات الحزب ومؤسساته الموازية وروابطه المهنية ومختلف فعالياته القطاعية والترابية، انطلقت صباح اليوم السبت 21 شتنبر 2019، بقصر المؤتمرات أبي رقراق بمدينة سلا، أشغال منتدى "التفكير التعادلي" في دورته الأولى الذي ينظمه حزب الاستقلال حول موضوع "جيل جديد من التعاقدات من أجل الخروج من الأزمة" ويمتد إلى غاية يوم الأحد 22 شتنبر الجاري.

من أجل تعبئة الذكاء الاستقلالي

وتميزت أشغال الجلسة الافتتاحية للمنتدى، بالعرض الهام للأخ نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال، والذي أكد من خلاله على أن "منتدى التفكير التعادلي" يعتبر صيغة تنظيمية جديدة وموازية، من أجل التقائية وشحذ الذكاء الاستقلالي من مختلف تنظيماته وفعالياته، القطاعية والترابية، مبرزا أن هذا المنتدى يندرج في صميم الرؤية الجديدة للممارسة السياسية ولتدبير الوساطة السياسية، التي التزم بها في إطار الإستراتيجية الجديدة  (2017-2021) للنهوض بالأداء الحزبي.

وفي ذات السياق، أكد الأخ نزار بركة على أن هذه الرؤية الجديدة للممارسة السياسية تقوم على التفكير والتوجيه الاستراتيجي، بالإضافة إلى التفاعل مع المطالب المشروعة للمواطنات والمواطنين، والترافع عنها في النقاش العمومي والمؤسساتي، والعمل على ترجمتها إلى مبادرات فعلية وتدابير عملية.

كما اعتبر الأخ الأمين العام أن هذا التفكير والتوجيه الاستراتيجي، يقوم على بلورة رؤية تتميز بالمدى البعيد الذي يتجاوز زمن البرنامج الانتخابي أو الحكومي، والمساهمة في إنضاج التوجهات الوطنية الكبرى كالنموذج التنموي الجديد، والتعاقد الاجتماعي الجديد..، إلى جانب مواكبة التحولات المجتمعية وتعقيدات الحياة اليومية للمواطنات والمواطنين، واقتراح البدائل الخلاقة والحلول العملية لتجاوز الإشكاليات المطروحة، بالإضافة إلى استباق الأزمات والإشكاليات، واستشراف متواصل للمستقبل بما يعطي ضمانات في استدامة واستقرار المشروع المجتمعي الوطني المشترك.

وسجل الأخ نزار بركة أن "منتدى التفكير التعادلي" يأتي لمواصلة وتعميق مخرجات التصور الذي سبق أن أعده الحزب حول النموذج التنموي الجديد، الذي صادق عليه المجلس الوطني في دورة أكتوبر 2018، وتم رفعه إلى الديوان الملكي في صيغة مذكرة يوم 11 يناير 2019، وذلك في أفق تقديم مضامين هذا التصور الذي يقترحه حزب الاستقلال، والترافع عنه أمام اللجنة المختصة التي أعلن عنها جلالة الملك.

استقالة الفعل الحكومي

وأبرز الأخ الأمين العام أن هذا المنتدى يأتي أيضا من أجل استكمال ما بدأه الحزب من خلال تصوره للنموذج التنموي الجديد، وتحيين مسالك الإصلاح التي يقترحها، وتطوير أبعادها الإجرائية والعملية، وذلك لمواكبة التحولات المتسارعة التي تعرفها الساحة الوطنية والظرفية الاقتصادية والاجتماعية ببلادنا خلال الأشهر الماضية الأخيرة، وسقف الحاجيات والانتظارات الذي لا يتوقف من الارتفاع أمام هدر فرص وزمن الإصلاح، وأمام استقالة الفعل الحكومي الذي يعيش في الشهور الأخيرة انتظارية كبرى تعطل مصالح الوطن والمواطنين.

وفي هذا الإطار، ذكر الأخ نزار بركة بموقف اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، التي سبق أن نبهت الحكومة إلى خطورة الانزواء إلى منطقة الانتظارية والترقب دون أن تضطلع بمسؤوليتها الدستورية النابعة من الانتداب الشعبي والبرلماني وثقة جلالة الملك، كما دعتها إلى تسريع وتيرة الإصلاح وخدمة المواطن والقطع مع التوجهات والممارسات التي تغذي الاحتقان والفوارق، والشروع في بلورة الجيل الجديد من الاستراتيجيات القطاعية في أفق انطلاق ورش النموذج التنموي الجديد، إلى جانب إعطاء إشارات قوية لاسترجاع ثقة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين تمهيدا للمرحلة الجديدة التي دعا إليها جلالة الملك، التي تتطلب المسؤولية والفعالية وبُعد النظر، وتعبئة الجميع لإبرام تعاقد اجتماعي جديد.

مظاهر أزمة عميقة ومتعددة الأبعاد

وأوضح الأخ الأمين العام أن بلادنا كلما أضاعت فرصةً أو أخطأت موعدًا أو أَجْهَضت أَمَلًا بالإصلاح والتقويم والتصحيح والتغيير الذي نطمح إليه جميعا، كُلَّما اتسعت دائرةُ الشك في المجتمع، وازدادتِ الأوضاعُ تعقيدا، وضاقتْ هوامشُ التدخل وارتفعتْ كُلفتُه بالنسبة للفاعل الحكومي والعمومي، مردفا " اسمحوا لي أن أقول لكم، بما تَستلزمُه الروح الوطنية والمسؤولية ولغة الحقيقة، وبدون بلاغة ولا مُحسنات تواصلية، ينبغي أن نعترفَ اليوم أن بلادَنا، تعيشُ أزمةً، وهي أزمة عميقة ومركبة ومتعددة الأبعاد". 

"كيفَ لا نعترفُ بالأزمة؟" يتسائل الأخ نزار بركة، ويجيب في ذات الآن، حينما يعبر المواطنات والمواطنون عن تخوفاتهم حول مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، ويتنامى استعداد الشباب والأسر كذلك للمغادرة والهجرة إلى الخارج، في صفوف مختلف الشرائح الاجتماعية بما فيها الطبقات الوسطى والميسورة، إلى جانب تسجيل بلادنا تقهقرا متعدد المجالات في النمو والتشغيل، في الاستثمار والادخار، وفي الاستهلاك والقدرة الشرائية، بالإضافة إلى تراجع دور المدرسة العمومية التي كانت قَنطرة سالكة نحو الارتقاء الاجتماعي، وأصبحت اليوم بؤرة لإنتاج الفوارق الاجتماعية..، والطبقة الوسطى التي تعيش تفقيرا ممنهجا بسبب ارتفاع الأسعار، والتحامل الضريبي المتزايد، بل والتضريب المزدوج أمام تدهور الخدمات العمومية الأساسية، في التعليم والصحة والنقل..، كما أن هناك تخوفات وهواجس كذلك فيما يتعلق بالمكتسبات التي تم تحقيقها على مدى العقدين الأخيرين، فيما يتعلق بالولوج إلى الخدمات، وتأمين الأمن المائي والعدالة المائية، وتحصين الحقوق والحريات الأساسية التي حسم في شأنها دستور 2011.
 

وأوضح الأخ الأمين العام أن بلادنا تعيش بالفعل أزمة عميقة، لأن الاستمرار في النموذج التنموي الحالي لا يمكنه إلا أن يفرز مزيدا من الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومزيدا الخيبات ومظاهر الحيف، ومزيدا من الشروخ في المجتمع، حيث تبرز مظاهر هذه الأزمة على المستوى الهوياتي، من خلال مسلسل التآكل الذي يمس رصيد العيش المشترك والتمازج الاجتماعي داخل المجتمع، وتنامي نماذج ذهنية وسلوكية تغذي الانهزامية في مواجهة التحديات، والعنف المادي والرمزي إزاء أي خلاف بما في ذلك الخرق العمدي للقانون والتخلي عن الواجب، والتطرف في تدبير التنوع والتعايش المجتمعي، وجلد الهوية ومقوماتها وتأزيم الانتماء إلى الوطن، واللغة والثقافة والوحدة الوطنية، بحثا عن هويات حصرية سواء كانت جهوية أو ثقافية أو عابرة لحدود الأوطان؛  

كما تتجلى مظاهر هذه الأزمة أيضا، يضيف الأخ نزار بركة، على المستوى السياسي والمؤسساتي، من خلال دخول مسار الإصلاح  السياسي والمؤسساتي منطقة رمادية تتسم بالبطء والتردد، والشك في جدوى الآليات التمثيلية للمواطن من الحكومة والبرلمان والمجالس المنتخبة المحلية ومدى فعاليتها في التجاوب مع الحاجيات والانتظارات المعبر عنها، وبالتالي مدى الفائدة من المشاركة الانتخابية إن لم يكن لهذه الأخيرة امتداد فعلي في أداء الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية، وإن لم تكن آلية رقابية في يد المواطن لإعمال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بالإضافة إلى تراجع الثقة في الأحزاب السياسية ودورها الدستوري في تأطير المواطنين وضعف اضطلاعها بدورها الترافعي عن قضاياه وانشغالاته، كمؤسسات وسيطة، وذلك نتيجة الممارسات المتراكمة التي شابت الحياة السياسية، والانتقال الديمقراطي الذي لم يكتمل بعد.

نموذج مبني على الريع والامتيازات والاستثناءات

وعلى المستوى الاقتصادي، يؤكد الأخ الأمين العام، أن الأزمة تتفاقم والشروخ تتغذى من استمرار النموذج المبني على الريع والامتيازات والاستثناءات، وهو ما يمنع من تحرير الطاقات والكفاءات والابتكارات، ومن اتساع قاعدة الفاعلين ولا سيما من المقاولات الصغرى والمتوسطة والصغيرة جدا، كما أن سياسة التحرير عموما، باستثناء بعض القطاعات الرائدة ، لم تنجح في خلق الاندماج المرجو في المنظومات الاقتصادية وسلاسل القيمة رغم الجهود المالية والجبائية المرصودة، وفي المقابل ظلت ثمار التحرير محصورة في المجموعات الكبرى والشركات الرائدة، دون أن تصل هذه الثمار بالقدر الكافي إلى النسيج المقاولاتي الصغير والمتوسط، وأن تنتشل القطاع غير المهيكل.
 

وأشار الأخ نزار بركة إلى مستوى الشرخ الذي يتهدد التماسك الاجتماعي، مؤكدا أن المدرسة والمستشفى وباقي مرافق الخدمات الأساسية، لم تعد آلياتٍ لإعادة التوزيع المتوازن لمنافع الثروة لفائدة الفئات الهشة والمعوزة، ولتقليص الفوارق الاجتماعية التي أخذت تتفاقم كلما اقترنت بالتفاوتات المجالية الحاصلة بين الجهات الغنية والفقيرة، وبين المدن والقرى، وبين المدينة وضواحيها، وبين المجالات الترابية للجهة الواحدة، وهو ما من شأنه إعادة إنتاج التوريث الجيلي للفقر، لاسيما وأن مؤشر جيني لقياس الفوارق يصل أحيانا في مجال التعليم إلى 75% في بعض الجهات، بالإضافة إلى ضعف العرض الذي يقدمه سوق الشغل، أصبح التوفر على تكوين عالي، جامعي أو مهني، يشكل عائقا إضافيا للحصول على عمل بالنسبة للشباب. 

أما فيما يخص الحماية الاجتماعية، أبرز الأخ الأمين العام أن ثلث الساكنة يظل إلى الآن خارج منظومة الضمان المعمول بها حاليا، وحتى في حالة الاستفادة من التغطية، فإن الخدمات المقدمة تبقى ضعيفة وغير كافية لا سيما بالنسبة للمستفيدين من برنامج راميد، مشيرا هنا إلى أن انعدام أو ضعف آليات التضامن يتسبب في تفقير العديد من الأسر المغربية، في حالة الإصابة بالمرض 17 في المائة حسب تقرير أخير للبنك الدولي، أو توقف رب الأسرة عن العمل أو إحالته على التقاعد، وهذا بالموازاة مع التراجع المستمر للآليات التقليدية للتكافل العائلي جراء ضعف التشغيل وهشاشة الطبقة الوسطى وغلاء المعيشة.

تفكير جماعي مغربي-مغربي للخروج من الأزمة

وأضاف الأخ نزار بركة قائلا "ليس من باب التَرف في الرصد والتحليل أن نثير هذه الإشكاليات والتحديات التي أدت، بسبب تراكمها وتراكبها، إلى الأزمة التي تواجه بلادنا اليوم، ولكن خصصنا هذا المنتدى للتفكير والاقتراح والمبادرة من منطلق ما يحركنا في حزب الاستقلال من روح وطنية، واقتناع بأن الخروج من الأزمة لن يكون إلا نابعا من نبض الواقع العميق، ومن تفكير جماعي مغربي-مغربي، بعيدا عن إسقاطات الحلول الجاهزة والوصَفات المُستوردة من أندية "التفكير-أوفشور"، مؤكدا أن بلادنا بقيادة جلالة الملك، وبترصيد ما تراكم من منجزات ومكتسبات وخبرات ناجحة خلال 20 سنة الماضية، وباستثمار الاستقرار المؤسساتي الذي تنعم به بلادنا في تقوية اللحمة الوطنية واغتنام الفرص المتاحة على الصعيد الدولي، سيمكن جميع الفاعلين والقوى الحية وعموم المواطنات والمواطنين من إعادة بلادنا إلى سكة التنمية، وفق رؤية واضحة ومشتركة للحاضر والمستقبل، من خلال اتخاذ مجموعة من الاختيارات التي تتسم بالشجاعة والجرأة والكفيلة بإطلاق دينامية جديدة وقوية ينخرط فيها الجميع، اليوم قبل الغد.  

ومن هذا المنظور، أوضح الأخ الأمين العام أن حزب الاستقلال ارتأى أن ينكب هذا المنتدى بالتحليل والنقاش والاقتراح على المسالك الإجرائية الممكنة للخروج من هذه الأزمة العميقة والمركبة، وذلك في إطار تصور الحزب للنموذج التنموي الجديد، حيث تتوزع أشغال المنتدى إلى ست ورشات عمل، الورشة الأولى حول "الهوية والقيم والأسرة"، أما الورشة الثانية فتتعلق بموضوع "الإقلاع الاقتصادي والتشغيل"،  كما أن الورشة الثالثة تتعلق بـ "تقليص الفوارق الاجتماعية وتقوية الطبقة الوسطى"، أما الورشة الرابعة فتتمحور حول "تقليص الفوارق المجالية وإنجاح الجهوية المتقدمة، كما أن الورشة الخامسة تتعلق بموضوع "حماية البيئة وتدبير المخاطر"، في حين تتمحور الورشة السادسة حول "المواطنة وتأمين العيش الكريم"، مؤكدا أن الإجراءات والتدابير التي ستتمخض عن هذه الورشات، ستكون بمثابة تفعيل للتصور الذي بلوره الحزب حول النموذج التنموي الجديد، ومساهمة أخرى ضمن العرض الاستقلالي التعادلي الذي يساهم به الحزب في إطار التعاقدات الاجتماعية الجديدة التي نتطلع إليها إلى جانب باقي القوى الحية، في أعقاب هذا الورش الوطني الكبير والطموح حول النموذج التنموي الجديد.

استعادة الثقة في حاضر ومستقبل بلادنا

وأكد الأخ نزار بركة أن حزب الاستقلال يسعى إلى استعادة المعنى والجدوى والثقة في حاضر ومستقبل بلادنا من قبل المواطنات والمواطنين، من خلال الدفع نحو إبرام تعاقدات تأخذ بعين الاعتبار ضرورة تعبئة المغاربة حول وجهة واحدة وواضحة، وحول مشروع جماعي لمواجهة التحديات المطروحة، ومباشرة التغيير في ظل عالم دائم وسريع التحول، يصبح معه كل تأخير في التغيير المنشود صعبا بل وغير ممكن، إلى جانب إرساء منظومة متجددة للقيم المغربية، الفردية والجماعية والوطنية والمواطناتية، وجعلها رافعة قوية للعيش المشترك والإقلاع التنموي، وضرورة ربط الأقوال بالأفعال، والالتزام بالوعود في الممارسة السياسية والديمقراطية، لاسترجاع الثقة في المؤسسات والفعل العمومي، بالإضافة إلى ربط الفعل العمومي بتحقيق النتائج التي يكون لها وقع على الحياة اليومية للمواطن، وترجمة المساهمة الضريبية للمواطن إلى رفاه اجتماعي ملموس، وتحقيق العدالة والإنصاف، والقطع مع مظاهر الحيف والتمييز في التمتع بالحقوق، والاقتسام العادل في الالتزامات والتضحيات وفي منافع الثروة بين الجميع.


تصوير : شكيرات




في نفس الركن