ملتقى العدالة الثاني بالعيون الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة

الثلاثاء 19 نونبر 2019

ـ استقلال القضاء يُؤْمِنُ فيه المتقاضي قبل غيره بأن القاضي سيطبق القانون على النزاع دون تأثير من جهة أخرى
ـ الدستورلا يسمح للمحاكم بالتداول في مناقشات البرلمان ولا الخوض في مهامه الدستورية إلاَّ في حدود ما تسمح به القوانين كالطعون الانتخابية


 العيون :عبدالله جداد

نظمت هيئة المحامين لدى محاكم الاستئناف باكادير وكلميم والعيون ومحكمة الإستئناف بالعيون، بشراكة مع وزارة العدل ورئاسة النيابة العامة ومحكمة النقض وجمعيات هيئات المحامين بالمغرب، والمكتب الجهوي للودادية الحسنية للقضاة، ملتقى العدالة الثاني لمدينة العيون حول موضوع “إستقلال النيابة العامة ودوره في مسار إستقلال السلطة القضائية.

وكشف رئيس النيابة العامة محمد عبد النباوي في عرضه الذي اعتبره رجال القضاء خريطة طريق جديدة تأسس لمفاهيم الدستور والقانون المؤديان لاستقلال النيابة العامة ودوره في مسار استقلال السلطة القضائية “موضوع هام جداً في حاضرنا وفي مستقبلنا القضائي والحقوقي. من عيِّنَة المواضيع الهامة التي تجدر مناقشتها في جهة الساقية الحمراء، بالنظر لراهنيته وأهميته”، مشيرا الى أن “استقلال النيابة العامة، جزء من استقلال السلطة القضائية". مبرزا أن استقلال السلطة القضائية، ليس مجرد شعار يرفعه الناس في خطاباتهم، ولا هو محض عنوان يعبر به البعض عن انتماءاتهم أو اختياراتهم ولكنه اقتناع بفلسفة في الحياة، يجب على من يرفع شعارها أن يلتزم بكل حمولاته الفكرية والواقعية. وهو كذلك مدرسة في نظام الحكم، يتعين على من يستعمل مُسَمَّاهَا وعنوانها أن يمتثل لإكراهاته وقيوده، وأن يقبل بشروطه وإجراءاته، ويطبقها على نفسه، حتى حينما تمس مصالحه أو ذاته.

إن استقلال القضاء هو اختيار لنظامٍ للتقاضي، يُؤْمِنُ فيه المتقاضي قبل غيره، أن القاضي المستقل سيطبق القانون على النزاع دون تأثير من جهة أخرى. فالاستقلال يحميه من تأثير تلك الجهات، واستقلال القضاء هو أن يؤمن المجتمع، بأنه اختار هذا النمط لتحقيق غاية فضلى، هي إِبعادُ القاضي عن التأَثُّرِ بالإكراهات التي قد تَأْتِي من سلطات أخرى. فالمجتمع هو الذي اختار أن يكون قاضيه مستقلا عن الحكومة وعن البرلمان. ولو أراد المجتمع أن يُخْضع القضاة لإحدى هاتين السلطتين لتوافق على ذلك في الدستور .. ولا شيء يمنع المجتمعات الديمقراطية من تبني أفكار أخرى في دساتيرها، شريطة احترامها لطرق تعديل الدساتير؛ ولذلك فإن احترام الدستور يدعو الحكومة -ليس فقط إلى احترام هذا الاستقلال- وإنما كذلك إلى دعمه والمساهمة في ترسيخ بنائه، باستعمال السلطات التي خولها لها الدستور سواء في المجال التنظيمي، أو في مجال اقتراح مشاريع القوانين، والدفاع عنها أمام البرلمان وفقا لروح الدستور التي عبر عنها بوضوح الفصل 107. وكذلك عن طريق تسخير الإمكانيات الإدارية والمادية لذلك. وعن طريق حوارٍ هادفٍ وبناءٍ يرمي إلى خلق جسور للتعاون المؤسساتي المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور.

وعرّف محمد عبد النباوي استقلال القضاء بكونه سلطة تشريعية بالنظر لصراحة الدستور المؤكد على استقلال السلطة القضائية عنها، مضيفا أن احترام البرلمان لاستقلال السلطة القضائية هو مجرد التطبيق الحرفي للدستور.وأبرز رئيس النيابة العامة أن إحترام استقلال السلطة القضائية لا يتأتى فعليا بعدم التدخل في أحكام القضاة وقرراتهم، بل بالتوقف  عن تناول الشأن القضائي خارج سياق الدستور في نقاشات أعضاء البرلمان، مردفا أن الدستور لا يسمح للمحاكم بالتداول في مناقشات البرلمان ولا الخوض في مهامه الدستورية، إلاَّ في حدود ما تسمح به القوانين في ظروف محددة كالطعون الانتخابية، أو في حالة ارتكاب بعض المخالفات الجنائية مثلاً، كما ” لا يسمح للمحاكم بالتدخل في عمل الحكومة، ولا في عرقلة تصريفها لمهامها، إلاَّ في نطاق الحدود الضيقة التي تقرها القوانين، ولاسيما ما يتعلق بالطعن في القرارات الإدارية والمراسيم التنظيمية”.

واستقلال القضاء يضيف عبد النباوي ، يعني بالطبع القضاة أنفسهم، الذين عليهم أن يستحضروا ما جاء في الرسالة التاريخية لجلالة الملك لمؤتمر العدالة الأول )2 أبريل 2018( حيث أكد جلالة الملك : "أن مبدأ الاستقلال لم يشرع لفائدة القضاة، وإنما لصالح المتقاضين، وإنه إذ يرتب حقا للمتقاضين، فكونه يلقي واجبا على عاتق القاضيفهوحق للمتقاضين في أن يحكم القاضي بكل استقلال وتجرد وحياد، وأن يجعل من القانون وحده مرجعا لقراراته، ومما يمليه عليه ضميره سندا لاقتناعاتهوهو واجب على القاضي، الذي عليه أن يتقيد بالاستقلال والنزاهة، والبعد عن أي تأثر أو إغواء يعرضه للمساءلة التأديبية أو الجنائية". (انتهى النطق الملكي(.

وأشار محمد عبد النباوي أن“استقلال السلطة القضائية بالمملكة المغربية اليوم هو حقيقة دستورية وقانونية .. يجب على الجميع أن يتعاون من أجل جعلها حقيقة واقعية كذلك. وإن جعلها حقيقة واقعية معاشة وملموسة، يتطلب أن يلتزم كل طرف من الأطراف السلطوية والمجتمعية بمضمون الدستور...
واختتم عبدالنباوي عرضه الذي استأثر باهتمامات المشاركين بالتأكيد على أن مؤسسة النيابة العامة، التي تتطلع إلى القيام بدور جديد تكون فيه قريبة للمواطن الضحية، تساعده في لحظات الضيق والشدة، حينما يتعرض للاعتداء. وألاّ ينظر إليها فقط من نظرة قدحية ألبستها إياها مهامها في معاداة الأشخاص الذين يكدرون صفو المجتمع ويُخِلُّون بسكينته ويَخْرِقُون القوانين التي وضعها المشرع. هؤلاء الذين يسمونها "الغراق". والحال أنها مُنْقِدٌ للمجتمع بتطهيره من بطش الذين يخرقون القانون .. ومنقذ لهؤلاء المخالفين للقانون أنفسهم، لمساعدتهم في أداء ثمن أخطائهم لمجتمعهم، وربما مرافقتهم في مرحلة إعادة إدماجهم في المجتمع كذلك.

واعتبرأن هذا الملتقى المتميز سيساهم في خلق نقاشا جديد مسؤول حول الورش القضائي وهو العمل الذي بات تقليدا سنويا تقوم به بكل استحقاق وتنظيم محكم هيئة المحامين بأكادير - العيون، نقيباً ومجلساً وأعضاء، ولأعضاء الهيئة القضائية بالعيون، وسلطاتها الجهوية ولمجلسها البلدي وكافة منتخبيها. والشكر والتقدير مستحقان من أجل اتخاذ هذه المبادرة الهامة واستقبالها، إن استقلال النيابة العامة، جزء من استقلال السلطة القضائية. واللقاء يساهم في برصيدٌ من التوصيات والأفكار القابلة للتطبيق،أو التي ستمكن السلطات المختصة من اتخاذ مبادرات ملائمة في حدود اختصاصاتها، لفائدة نظام العدالة ببلدنا العزيز.
تنصيب جلالة الملك محمد السادس لأعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية سيبقى حدثا  موشوما في ذاكرة أسره العدالة
إن استقلال  النيابة العامة ركن أساسي  في استقلال القضاء

ومما جاء في كلمة ممثل رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ما بين الداخلة والعيون تتحد مشاعر الفخر والاعتزاز بالتواجد بهذه الربوع الطاهرة المباركة لنحتفي مع هذه النخب الوطنية  الفذة بروح المسيرة الخضراء ، مسيرة الوحدة والاستقلال والتميز والنماء والأوراش الإصلاحية الكبرى . مضيفا "أننا اليوم نحتفي بمدرسة القيم الإنسانية الكبرى والثوابت الوطنية الراسخة في  الضمير وفي الوجدان تحت القيادة الرشيدة المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية دام له العز والتمكين ."

 وأبرز أن يوم الجمعة 6 أكتوبر 2017 تاريخ تسليم رئاسة النيابة العامة لمؤسسة الوكيل العام لمحكمة النقض سيبقى امتدادا لسادس أبريل من نفس السنة،تاريخ تنصيب جلالة الملك محمد السادس نصره الله لأعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية سيبقى حدثا  موشوما في ذاكرة أسره العدالة كمحطة تتويج لخيارات مجتمع يتجه نحو المستقبل بخطى ثابتة ورؤية واضحة. محطة تعد نتاج الأوراش والإصلاحات العميقة في بنية العدالة ببلادنا وما راكمته من انجازات حقوقية وخبرات قانونية وقضائية وفقهية ساهم فيها الجميع بكل مسؤولية ووطنية على امتداد سنوات طوال .

ويضيف الاستاذ الخضراوي أنه من غير الإنصاف  أن ننظر إلى هذا الحاضر وأن نؤسس للمستقبل دون الوقوف لحظة للتأمل في مجريات الحوار والنقاش الطويل الذي عشنا تفاصيله وجزئياته وسهرنا من خلاله على تذويب الخلاف ودحض الشكوك والمخاوف من أجل تقريب وجهات النظر المختلفة والتجارب والرؤى المتعددة التي تجاذبت موضوع استقلال النيابة العامة.

لقد كان التحدي هو إيجاد نموذج مغربي لاستقلال السلطة القضائية بكل مكوناتها وهياكلها كما حث على ذلك جلالة الملك محمد السادس نصره الله في العديد من المناسبات ومنها كلمته التاريخية يوم 10 مارس 2011 أمام اللجنة الاستشارية المكلفة بإصدار الدستور حين دعاهم إلى "الاجتهاد الخلاق لاقتراح نسق مؤسسي مضبوط يقوم على التحديد الواضح لسلطات المؤسسات الدستورية بما يجعل كلا منها يتحمل مسؤولية كاملة في مناخ سليم"نموذج ملائم من جهة لنظامنا القضائي وهياكله وبنياته ومنسجم مع خصوصية الواقع المغربي، ومنفتح من جهة أخرى على كل التجارب العالمية الرائدة والممارسات الحقوقية الفضلى.وقد استطعنا بتوفيق من الله رغم كل المخاوف التي أثيرت وقتئذ - أن نبلور قناعتنا في شكل اقتراحات وتوصيات ورؤية نالت الثقة وخرجت إلى حيز الوجود كنص تشريعي بعدما استنفدت الإجراءات والمساطر القانونية والتنظيمية اللازمة، معبرة بذلك عن إرادة ورغبة المغاربة فأصبحت اليوم واقعا ونموذجا نفتخر به بين التجارب العالمية الرائدة.

وأضافت كلمة المجلس الأعلى السلطة القضائية إننا نحن اليوم نعيش واقعا كان إلى الأمس القريب سقفا للطموح والآمال التي عبرنا عنها في أدبياتنا المهنية والجمعوية والحقوقية ونادينا بها في لقاءاتنا ومؤتمراتنا وندواتنا وطنيا ودوليا، ولعل جدران مركب ثريا السقاط مازالت شاهدة على ذلك ونحن نطالب باستقلال حقيقي تام للنيابة العامة التي لا يستقيم استقلال السلطة القضائية بدونها، وذلك خلال الندوة الوطنية الكبرى التي نظمناها خلال سنة 2006 تحـــت عنوان " استقلال القضاء استقلال القاضي "والتي حضرها مئات القضاة والحقوقيين الأكاديميين ومهنيي العدالة وقلت في كلمتي الافتتاحية لهذا اللقاء التاريخي : ( ...إن استقلال  النيابة العامة ركن أساسي  في استقلال القضاء.)واليوم يجب أن يلمس المواطن آثار ونتائج استقلال السلطة القضائية ومنه استقلال النيابة العامة في آليات حل نزاعاته، وفي تدبير مشاكله وتنظيم علاقاته القانونية والواقعية مع باقي الأفراد والجماعات والمؤسسات ونحن أمام تحدي تكريس الثقة الموطدة للأمن القانوني والقضائي، ونحن أمام إشكالات معقدة فرضتها علينا عولمة القيم والعلاقات، وتطالبنا بكثير من التبصر والتجرد والشفافية وأمام تحديات تدبير العلاقات وتنظيم المؤسسات والسلط وتطالبنا بمد جسور الحوار والتواصل ووضع آليات الحكامة الجيدة والتدبير المعقلن، تحديات ذات طبيعة قانونية ومهنية وحقوقية وتنظيمية وإدارية، وعقليات يجب أن تستوعب هذه المتغيرات وتعي الإكراهات وتحدد الأهداف وترصد الإمكانات بكل موضوعية واعتدال.

كما تم بالمناسبة القاء كلمات كل من والي جهة العيون الساقية الحمراء والرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالعيون الاستاذ محمد لبار، وكلمة السيد صالح التيرازي الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالعيون والسيدين عمر وادرا نقيب هيآت المحامين بالمغرب والسيد الحسين وهبي رئيس هيئة المحامين بأكادير.واختتم بالقاء كلمة السيد وزير العدل .ليستأنف ملتقى العدالة في جلسته الثانية تقديم مجموعة من المداخلات القانونية الهامة التي تتبعها المشاركون بكثير من الاهتمام، كما كان لمشاركة كل من الاستاذ بنسامي الوكيل العام لمحكمة الاستئناف بالدارالبيضاء والاستاذ عبدالكريم الشافعي الوكيل العام لمحكمة الاستنئاف بأكدير والأستاذ الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف باكادير صدى طيب باعتبارهم مسؤولين قضائيين سابقين بالعيون بالاضافة الى الاستاذ محمد عبدالنباوي الذي اشتغل بالمحكمة الابتدائية بالعيون سابقا.  





في نفس الركن