بوابة حزب الاستقلال

رحمك الله السي حسن.. لروحك السلام

الخميس 9 أبريل 2020



بقلم الأخ عادل بنحمزة


سلام عليك أيها الذي لم يعبر القلب إلاّ ليقيم خيامه في الشغاف. سلام عليك أيها الذي هاجر إلى تلك الضفاف. مارسيل خليفة


السي حسن


ها أنت تغادرنا ولا نستطيع أن نحضنك في وداعك الأخير، لكنك تغادرنا بكل بهائك وكبريائك، أنت محب الحياة ومعلمنا محبتها، فحتى الموت تقدم إليك في خجل وحرمنا جنازة تليق بك وبعدد محبيك، وكأنه لا يريد لنا سوى أن نحتفظ بصورتك وهي تنبض بالحياة، فلم نحضر جنازتك ولم نرى جسدك الطيب يوارى الثرى، ولانثرنا على قبرك الزهر والثرى، ولا سمعنا نعيك في مرثية تليق بك، ولا ذرفنا الدمع حارا ونحن نتلوا ما تيسر من الذكر الحكيم، لكننا أيها العزيز، تبادلنا العزاء على الهاتف وعلى الشبكات الاجتماعية ما جعل القلب ينفطر أكثر، والدموع تختنق في العيون... ولا نقول إلا ما يرضي ربنا " وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ" صدق الله العظيم. 


السي حسن


هكذا هي الأقدار، ها نحن نقف عاجزين أمام الموت، نسلم بالقدر ونتحايل على الحزن ببكاء صامت، إنه الموت يخطفك عزيزنا ونحن جميعا نعيش عزلة تفرضها جائحة هي آية من آيات الله في الخلق، نودعك وأنت قد سكنت شغاف القلب وكنت ضفة من ضفافه، نودعك ونحن نفتقد القدرة على أن نحضن بعضنا البعض لعل ذلك يخفف قليلا مما استوطن الروح والفؤاد من حزن عميق. إننا اليوم أيها العزيز، نفتقد حتى الحق في الصراخ وفي استعراض ضعفنا الإنساني ونحن نضم جسدك الطاهر وننظر إليك نظرة أخيرة ونضع على جبينك قبلة الوداع، تختصر عقودا من الصداقة ومن الحب الذي لم نبلغك إياه كله قيد حياتك، وياريتنا فعلنا، فأنت لبست شوق القلب دوما، أحسنت إلينا وأحسنا إليك، وكأننا كنا نستحضر قول درويش، أحسنوا لمن تحبون، فإن الشوق بعد الموت لا يُطاق...لا ندري وأنت بين يدي ربك ونحن نقر لك أنك أحسنت لنا، هل أحسنا إليك فعلا...لكن والله يشهد، أنك كنت أكثر من أخ أو صديق أو رفيق نضال. 


 السي حسن


أذكر أنك كنت أحد ثلاثة حملوا لي وصية من فقيدنا الكبير السي محمد بوستة وقد منعني المرض أن أزوره معكم، أنت والأخت مونية غولام والأخ عبد الغني لحلو، وكانت وصيته وهو على بعد أيام قليلة من الرحيل، أن أستمر في الكتابة عن الديمقراطية ببلادنا وعن مقومات الهوية الوطنية، وكم سعدت أنك كنت حريصا جدا على حضوري، وسعدت أكثر أنك كنت مصرا على تبليغي بالوصية، فأنت أحد قرائي الأوفياء ممن لم يبخلوا علي بنصيحة أو فكرة، وأنت أحد الجلساء الذين لا تُمل رفقتهم، وأنت الأصل الطيب وثمرة المجاهد السي أحمد الشرقاوي فارس مطالب الشعب المغربي سنة 1937 ووثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، وأحد ضحايا القمع والسلطوية في محاكمات السنوات الأولى للاستقلال، هذا الأصل كنت تجسده في حركاتك وسكناتك، سواء وأنت قيادي في الشبيبة الاستقلالية، أو مفتشا للحزب بالرباط، أو رئيسا لرابطة المهندسين الاستقلاليين أو وأنت مديرا للمركز العام للحزب مرورا بمهامك ومسؤولياتك الرسمية الإدارية والانتخابية، فكنت تنفذ إلى فؤاد مجالسيك بكل يسر، وتلك مكرمة من مكارم الله عليك. 


السي حسن


امتدت بنا الأيام والسنوات ونحن على نفس الدرب، ورغم أننا كنا قريبين وفي فترة كنا نلتقي بشكل شبه يومي، إلا أننا لم نتصرف قط على أنه سيأتي يوم نفترق إلى الأبد، لا يتعلق الأمر بالطبع بإنكار للقدر، معاذ الله، ولكننا كنا منشغلين بإيقاع السياسة وظروف الحزب في العقد الأخير، وأذكر أنك في عز الأزمة التي عرفها الحزب، كنت راجح العقل وتبحث عن تسويات، لا تنظر إلى الماضي، بل تسعى للحفاظ على المستقبل، ولم يكن الحزب بالنسبة إليك مقر عمل، بل كان جزء من تركة الوالد السي أحمد، ليس التركة بالمعنى المادي، لكن بمعنى المسؤولية والحرص على أن يبقى الجسد الاستقلالي موحدا ومعافى، أذكر النقاشات الطويلة معك التي كانت تبدأ بنهارا ب 4 ابن تومرت وسط الرباط ولا تنتهي إلى في ساعات متأخرة وسط أكدال، واستمر الحال لأيام طويلة كانت قاسية على الحزب والمناضلات والمناضلين، وأعرف أنها كانت قاسية عليك بصفة خاصة، لأنك كنت موزعا بين قناعاتك الشخصية، وبين مسؤولياتك الإدارية، هذا الحس هو ما جعل ثلاث أمناء عامين يضعون ثقتهم فيك ويحملوك مسؤولية إدارة المركز العام للحزب، وهي مسؤولية جسيمة، رغم ما بينهم من اختلافات وخلافات...ذلك لأنك أنت وتلك خصوصيتك. 


السي حسن 


وأنا أقر بغايبك الأبدي عنا، وأسأل لك الرحمة والمغفرة الواسعتين والثبات عند السؤال، أقول فيك ما قاله مارسيل خليفة في رثاء الشيخ إمام: "على ذكراك عطر المساء الربيعيّ الحار، ورسائل حب، وباقات من زهر الليلك. على ذكراك، وما غبت وما تركت من معنى يكبر في النفس ويُدرك. في الغياب قسوة ينوء بها وجدي".