Menu









الأخ نزار بركة : تحقيق النمو الاقتصادي/ إنتاج الثروة/ خلق القيمة المضافة/ الارتقاء الاجتماعي.. رهانات صعبة المنال دون توفير تعليم ذو جودة للجميع





شارك الأخ نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال، مساء يوم الجمعة 28 يونيو 2019 بالرباط، في مائدة مستديرة حول موضوع "جدلية العلاقة بين الاقتصاد والتعليم"، والتي نظمتها جمعية حماية الأسرة المغربية، في ظل حضور هام لثلة من الخبراء والأخصائيين القانونيين، التربويين، الاقتصاديين والاجتماعيين.

وثمن الأخ نزار بركة في كلمة له بالمناسبة، المجهودات التي تبذلها جمعية حماية الأسرة المغربية من أجل تكوين مواطن مسؤول يساهم في تنمية المجتمع، مهنئا إيها على الدور الذي تلعبه في فتح نقاشات عمومية هادفة إلى الاهتمام بقضايا الأسرة والمجتمع المغربي على الصعيد الفكري أو على صعيد الممارسة، معتبرا أن هذه الورشة التي تنظمها الجمعية تسلط الضوء على قضية هامة تجد راهنيتها لكونها فعلا محط جدل ونقاش عمومي على كافة المستويات.

وسجل الأخ الأمين العام أن قضايا التعليم تعتبر من القضايا الأساسية التي يوليها حزب الاستقلال مكانة خاصة، حيث جعلها في صلب مشروعه المجتمعي التعادلي، كما وضعها ضمن أولويات تصوره للنموذج التنموي الجديد، وذلك وعيا منه بأن تقدم الأوطان يظل هدفا بعيد المنال بدون تحرير المواطنين من قيود الجهل، وأنه لا حرية دون تسلح بالعلم والمعرفة لتغيير الواقع ومواجهة المستقبل، مبرزا أن تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين كافة شرائح المجتمع سيظل غير متاحا بدون توفير تعليم ذو جودة للجميع، مشددا على ضرورة تقوية قدرات وامكانيات ومدارك المواطن للمساهمة الايجابية في المجتمع، وتمكينه من وسائل الارتقاء الاجتماعي في بلادنا.

وعن إشكالية المائدة المستديرة موضوع النقاش، والتي تتعلق بقضية التعليم في بلادنا وعلاقتها الجدلية بالاقتصاد والتنمية، استعرض الأخ نزار بركة جملة من النظريات الاقتصادية التي كانت تكتفي بإدراج معطيي الرأسمال المادي والرأسمال البشري فقط في دورة الإنتاج، ليؤكد أن أحدث النظريات الاقتصادية أضافت بعدا في غاية الأهمية، ويتعلق الأمر بإقتصاد المعرفة الذي أصبح من بين الوسائل الأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي وإنتاج الثروة وخلق القيمة المضافة، مسجلا أن اليد العاملة غير المؤهلة أضحت غير كافية للمساهمة في العملية الانتاجية، لدى يتطلب التوفر على العمالة الماهرة من أجل تحسين الانتاجية ورفع المردودية وبالتالي رفع الدخل والاستهلاك والادخار والاستثمار، وهذا لا يتحقق إلا من خلال التعليم.
 
وأبرز الأخ الأمين العام أن تطوير وتحسين القدرات البشرية أصبح أمرا لا مفر منه لتحقيق النمو، مشيرا إلى أن عددا من الدراسات أظهرت أن الناتج الداخلي الخام ليس مؤشرا كافيا لتحديد ثروة بلد ما، وبالتالي جاءت نظرية اقتصادية لتجيب عن هذا الإشكال بالقول أن الثروة الإجمالية لبلد ما تضم الرساميل التقليدية، أي ما هو مرتبط بالإنتاج والإمكانيات المالية والطبيعية، ولكن أيضا يضاف إليها الرساميل اللامادية، وهي المرتبطة أساسا بالرأسمال البشري والرأسمال المؤسساتي، أي الحكامة والديمقراطية وتقييم السياسات العمومية والتخطيط والاستراتيجيات المستقبلية، ناهيك أيضا عن ما هو مرتبط بالرأسمال الاجتماعي الذي يقوم على التماسك الاجتماعي والثقة.
 
وأكد الأخ نزار بركة أن الغالبية المطلقة للثروة الاجمالية لأي بلد، ناتجة أساسا عن الرأسمال اللامادي، أي الرأسمال البشري، المؤسساتي والاجتماعي، وذلك لأنها نفسها عوامل أساسية لرفع الإنتاج وحسن استثمار الامكانيات المالية وضمان ديمومة الموارد الطبيعية، وهي التي لن تتأتى دون وعي أو قدرات أو حكامة جيدة، وبالتالي فإن الرأسمال البشري هو العنصر الأساسي الذي يأتي في طليعة هذه الرساميل جميعا.

 مشيرا إلى أن حزب الاستقلال يستحضر معطى آخر لا يقل أهمية عن كل ما سبق ذكره، ألا وهو تقوية منظومة القيم المستمدة من تعاليم الدين الاسلامي الحنيف، وترسيخ قيم العمل والمسؤولية، واحترام الوقت والتضامن، الحوار والتكافل، والوطنية الصادقة، هذه الأخيرة لا مناص عنها في حزب الاستقلال، حيث يضع الحزب مصلحة الوطن فوق كل اعتبار متجاوزا الأنانيات الضيقة التي تقتل في المهد كل المبادرات والأفكار و روح العطاء والتضحية.
 

كما شدد الأخ الأمين العام على ضرورة وضع التعليم في صلب النموذج التنموي الجديد، وذلك من خلال توفير التكوين اللازم للمواطنين والعمل على تأهيلهم ومنحهم القدرات الكافية في عدد من المجالات، مؤكدا أن تغييب البعد الخاص بإصلاح التعليم ببلادنا من النموذج الوطني الجديد للتنمية سيجعل تحقيق الصعود الاقتصادي المنشود أمرا صعبا، مبرزا أن بلادنا بذلت مجهودا كبيرا من أجل إصلاح المنظومة التعليمية، لكن لازال قطاع التعليم يواجه تحديات عديدة، فيما يتعلق بالجودة والمردودية، والتي تبقى دون المستوى المطلوب مقارنة مع دول أخرى، وذلك بالرغم من الموارد المالية المخصصة له، والتي تمثل ما يناهز 6 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ضاربا المثل بوجود 20 في المائة فقط من التلاميذ التي يجتازون مرحلة التعليم الابتدائي هم من يجيدون القراءة والكتابة.
 
وسجل الأخ نزار بركة أن هناك غياب للعناية بالمتعلم، حيث نجد مفارقة خطيرة تعيشها بلادنا تتمثل في أن نسبة بطالة حاملي الشواهد العليا تفوق أربع مرات نسبة بطالة من لا يتوفرون على شواهد، حيث تشكل نسبة البطالة بالنسبة لحاملي الشواهد 18 في المائة  مقابل 4,5 في المائة بالنسبة لمن لا يتوفرون على شواهد، مؤكدا أن هذه المفارقة تخلق الإحباط في صفوف الخريجين وحاملي الشواهد، إذ يجدون أنفسهم بعد سنوات من البذل والعطاء أمام عقبة إيجاد فرص شغل، ناهيك عن تسجيل نسب بطالة مرتفعة في صفوف خريجي معاهد التكوين المهني والتي تصل إلى حدود 50 في المائة.
 
وأبرز الأخ الأمين العام أنه من بين مسببات ضعف جودة ونجاعة النظام التعليمي ببلادنا، استمرار الاعتماد على الحفظ، مسجلا أن دراسات دولية كشفت أن 48 في المائة من مجموع التلاميذ ببلادنا يعتمدون على الحفط لاجتياز الاختبارات حتى بالمواد العلمية، في الوقت الذي لا تتجاوز فيه هذه النسبة 10 في المائة بكندا، و11 في المائة بكل من الولايات المتحدة الأمريكية والسويد وفنلندا، و14 في المائة بسنغافورة، في حين أن هذه النسبة ترتفع بشكل كبير بالنسبة للدول العربية، حيث نجدها تصل على سبيل المثال بمصر إلى 60 في المائة، مشددا على ضرورة تطوير المناهج التعليمية، من خلال تجاوز الاعتماد على المناهج التقليدية التي تعتمد أساسا على الحفظ، والتركيز على تنمية الحس النقدي وتقوية روح المبادرة والابتكار.
 

وأشار الأخ نزار بركة إلى أن الانقطاع عن الدراسة وغياب الأساتذة  يعدان من بين الإكراهات التي ينبغي تجاوزها لخروج المنظومة التعليمية ببلادنا من الأزمة، حيث تحتل بلادنا الرتبة الأولى على صعيد دول شمال إفريقيا بالنسبة لغياب الأساتذة، بنسبة 28 في المائة من مجموع التلاميذ يعبرون عن وجود أزمة تعليم ناتجة عن غياب الأساتذة وعدم حضورهم بكيفية مستمرة خاصة بالعالم القروي، كما أن بلادنا بذلت مجهودات كبيرة للحد من ظاهرة الهدر المدرسي التي تراجعت نسبتها من 400 ألف إلى 270 ألف تلميذ إلا أنها تظل تحديا يواجه قطاع التعليم، مبرزا أن متوسط عدد السنوات التي يقضيها التلاميذ في المدرسة هو 5 سنوات ونصف، في حين يسجل هذا العدد ارتفاعا ملحوظا في الدول المتقدمة بـ 10 سنوات، بل أكثر من ذلك فعدد سنوات الدراسة بالقرى لا تتجاوز سنتين، في الوقت الذي تصل فيه هذه النسبة بالمدن الكبرى إلى 10 سنوات، وهو ما يظهر وجود تفاوتات كبيرة لديها وقع سلبي على التماسك الاجتماعي، وتؤدي إلى فوارق اجتماعية مستقبلية، وإلى التوريث الجيلي للفقر.
 
واعتبر الأخ الأمين العام أن الشهادة لم تعد لها معنى لأن مدة صلاحيتها تنتهي بعد سنة أو سنتين، في حين أن المعرفة تتغير بكيفية سريعة، مؤكدا على ضرورة التأقلم مع متغيرات العصر من خلال التعليم والتكوين المستمر لأن 70 في المائة من المهن الموجودة اليوم، إما ستتغير بكيفية جذرية أو ستنقرض إلى حدود سنة 2030 مع بروز الذكاء الاصطناعي، مسجلا أنه هذه التطورات لا تجعلنا أمام أي اختيار ما عدا الاهتمام بالتعليم وتكوين القدرات، ضاربا المثل بما ورد في كتاب "النقد الذاتي" للزعيم علال الفاسي قائلا "إن الحكومة التي لا تعنى بالمعرفة، ولا تجعلها في متناول جميع الطبقات، ولا تحمل الجاهلين على أن يتعلموا لهي حكومة لا قيمة لها في الاعتداد العصري، ولا تستحق من المواطنين أي احترام أو تقدير"، مشيرا إلى ضرورة جعل التعليم هما حكوميا، من خلال توعية المواطنات والمواطنين وإعطائهم القدرات والمهارات الكافية لتمكينهم من الانخراط في مجتمع الإعلام والمعرفة وتحسين ظروف عيشهم.
 
وأوضح الأخ نزار بركة أن حزب الاستقلال في إطار التصور الذي قدمه للنموذج التنموي الجديد، دمج العنصر البشري في صلب هذا النموذج، كما دعا إلى القطع مع الشواهد بإعتبارها كافية للتشغيل بل التركيز على المهارات والقدرات وتقويتها لضمان التوفر على عنصر بشري لديه القدرة على التفاعل مع متطلبات العصر والإسهام من موقعه في التنمية، مسجلا أن هناك من يعتبر أن النفقات المخصصة لمجال التعليم تساهم في العجز، في حين يعتبرها حزب الاستقلال استثمارا في المستقبل، مشددا على ضرورة جعل المدرسة المغربية وسيلة للارتقاء الاجتماعي وإعادة القيمة الحقيقية لها من أجل ضمان التقدم المنشود.

Lu 257 fois