Menu










نزار بركة في حوار مع "هسبريس".. سكتة الاقتصاد مستبعدة والاقتراض رهين بالسيادة المالية‬





حاوره الصحافي نورالدين إكجان

استبعد نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، أن يصل الاقتصاد المغربي إلى مرحلة "السكتة القلبية"، بسبب التداعيات الناتجة عن تفشي فيروس كورونا، مشددا على أن العمل الحكومي اتسم بالارتباك في تدبير عديد الملفات، ويتقدمها "العالقون بالخارج".

وأضاف بركة، في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن المغرب أسوة بجميع دول العالم سوف يلجأ إلى سياسة توسيع الميزانية لإنعاش الاقتصاد وبالتالي إلى الاقتراض، مسجلا أن القدرة على ذلك تظل محدودة، خاصة إذا أردنا الحفاظ على سيادتنا المالية.


إليكم نص الحوار:

بداية كيف تقيم التعاطي الحكومي مع الجائحة؟ هل تمت مواكبة عوارض الأزمة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية بالشكل اللازم؟

في البداية لا بد من الإشادة بالدور الريادي الهام الذي قام به جلالة الملك لمواجهة جائحة كورونا، وبمختلف المبادرات التي أطلقها على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وكذا على مستوى التدابير الوقائية، بالإضافة إلى تعبئته لمختلف مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية وتتبعه الشخصي لمختلف هذه المبادرات التي ترجمت رؤية ملكية استباقية وحكيمة، هدفها تحصين الوطن وحماية المواطنين والتضامن معهم، وتعبئة إمكانات ومقدرات الدولة من أجل تقديم الدعم المباشر للأسر الفقيرة والمعوزة والمتضررة من هذه الجائحة، وفي الوقت نفسه مساندة المقاولات الصغيرة والمتوسطة المتضررة عبر الصندوق الخاص الذي أحدثه جلالة الملك لهذه الغاية. وقد أثبتت هذه الرؤية الملكية نجاعتها وأعطت نتائج ملموسة حظيت بالاستحسان في الداخل والإشادة في الخارج.

أما في ما يخص التدبير الحكومي فرغم المجهودات التي بذلت، إلا أننا سجلنا ارتباكا حكوميا في اتخاذ القرار، وكذا في تنفيذ العديد من القرارات المتخذة؛ وكمثال على ذلك عدم تعامل الحكومة مع ملف المغاربة العالقين بالخارج بالمسؤولية والجدية المطلوبة. وإذا كنا نسجل بارتياح القرار الأخير القاضي بإعادة إخواننا العالقين بمدينة مليلية المحتلة، والذي نتمنى صادقين أن يشكل بداية انفراج لهذه الأزمة لإعادة باقي المغاربة العالقين بمختلف دول العالم، فإننا ندعو الحكومة إلى التحلي بالمسؤولية والقطع مع سياسة الهروب إلى الأمام المتبعة في هذا الملف، واعتماد مخطط مستعجل لتأمين عودة المواطنين العالقين والإسراع في برمجة رحلات استثنائية لهم في ظرف زمني معقول.

والمثال الثاني الذي أود الإشارة إليه هو كيفية تعاطي الحكومة مع مشروع القانون رقم 20.22 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي المتداول حاليا، حيث عمدت إلى المصادقة على إطاره العام خلال المجلس الحكومي المنعقد يوم 19 مارس 2020 ومحاولة تمريره في فترة الحجر الصحي وفي لحظة تتسم بإجماع وطني كبير، دون أن تتنبه وبلادنا في هذه الظرفية الصعبة إلى أن مثل هذا القانون من شأنه أن يربك الجبهة الداخلية ويحدث شرخا داخل المجتمع ويتسبب في إهدار منسوب الثقة.

وقد تتبعنا جميعا ردود الفعل القوية التي صدرت عن مختلف مكونات المجتمع ضد هذا المشروع. وقد كنا في حزب الاستقلال سباقين إلى التعبير عن الرفض المطلق له والدعوة إلى سحبه باعتباره مسا خطيرا بحرية الرأي والتعبير، وتراجعا واضحا عن المكتسبات التي حققتها بلادنا في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، كما كنا من أوائل المستنكرين لحالة التعتيم التي مارستها الحكومة على هذا المشروع، في خرق سافر للحق في المعلومة كأحد الحقوق الأساسية التي يقرها الدستور.

كما أن تدبير الحكومة لملف الدعم العمومي للأسر لم يكن بالنجاعة الكافية، إذ إن هناك عشرات الآلاف من الأسر التي لم تتمكن من الاستفادة من هذا الدعم؛ وقد قمنا بإثارة انتباهها إلى ذلك، بل وطلبنا أن تحظى هذه الفئات المقصية بالأولوية من الدعم العيني المباشر الذي تقدمه السلطات العمومية والجماعات الترابية وفعاليات المجتمع المدني، سواء من خلال قفة رمضان أو المبادرات والمساهمات الاجتماعية الأخرى، لتعويضها عن خيبة الإقصاء ولمساعدتها على سد حاجياتها الحيوية.

إلى جانب عمل الحكومة، هناك آمال كثيرة معلقة على المؤسسات الدستورية للتقييم والاستشراف، كيف ترى عملها وما الذي يمكن أن تقدمه؟

نحن في حزب الاستقلال سبق أن قمنا بتشخيص عميق للوضعية العامة ببلادنا قبل مرحلة الوباء، ودعونا إلى اعتماد ميثاق اجتماعي وسياسي جديد لمعالجة مشكل الثقة وتجاوز أعطاب السياسة ببلادنا، وقدمنا رؤية الحزب للنموذج التنموي الجديد التي تركز أساسا على ضرورة إحداث ست قطائع مع المظاهر التي تعرقل تطور التنمية ببلادنا، وركزنا على البعد المتعلق بحكامة تدبير السياسات العمومية، وقلنا بضرورة الانتقال من التدبير العمودي للبرامج القطاعية إلى المقاربة المندمجة وإلى إقرار تكامل والتقائية البرامج والسياسات العمومية على المستوى الترابي، كما أكدنا على ضرورة الانتقال من نموذج تشييد البنيات إلى التركيز على بناء الرأسمال البشري والاستثمار في النهوض بالإنسان.

طبعا البرلمان كمؤسسة دستورية تجسد السلطة التشريعية في إطار فصل السلط وتكاملها لا بد أن يتابع بشكل مستمر أداء الحكومة ويمارس وظيفته الرقابية على أعمالها من خلال الآليات المخولة إليه من قبل الدستور، سواء من خلال الأسئلة أو عمل اللجان المختصة أو لجان الاستطلاع ولجان تقصي الحقائق. وهناك تقارير مهمة أنجزت في هذا الإطار، ومنها التقرير المتعلق بالمحروقات، إلى غير ذلك.. لكن له كذلك دورا أساسيا وفق مقتضيات الفصل 70 من الدستور حول مهام تقييم السياسات العمومية، وهو من الآليات الدستورية التي لم يتم تفعيلها بالشكل المطلوب إلى يومنا هذا. وهنا لا بد من استحضار مبدأ "السلطة تحد من السلطة"، بالنظر إلى أهميته السياسية والديمقراطية في تحقيق نوع من التوازن بين السلط والصلاحيات، وممارسة رقابة متبادلة تحد من التجاوزات.

من جهتها، مؤسسات الحكامة ببلادنا تقوم بأدوار مهمة وفق الإطار الدستوري والقانوني الذي يحكمها، وقد راكمت جلها تجارب وخبرات مهمة؛ وكنا ننتظر أن تقوم الحكومة باللجوء إليها لطلب رأيها في قضايا اقتصادية واجتماعية ومجتمعية متعلقة بتدبير هذه الظرفية لكنها لم تفعل، والبعض منها قام بالإحالة الذاتية لقضايا مهمة. ونحن في حزب الاستقلال كما أكدنا على ذلك في تصورنا للنموذج التنموي الجديد ننادي بتقوية التفاعل الإيجابي والتعاون الإجرائي بين مؤسسات الديمقراطية التمثيلية والتشاركية والحكامة والتقنين.

المشكل في بلادنا لا يتعلق بوجود فراغ في ما يتعلق بالتقييم، المشكل هو في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفي ضعف تخليق الحياة العامة، واستمرار تضارب المصالح، وسيادة الحزبية الضيقة أو المنطق الفئوي المصلحي في التعيينات في المناصب العليا، واستمرار مظاهر الفساد والرشوة.

المشكل الحقيقي إذن يوجد في منظومة الحكامة ككل، حكامة تدبير السياسات العمومية والحكامة المؤسساتية. صحيح أن بلادنا في حاجة إلى الاهتمام أكثر بالدراسات المستقبلية لأن جائحة كورونا، والأجيال الجديدة من التكنولوجيات الدقيقة، تنذرنا بأن العالم سيتحول بسرعة كبيرة في السنوات المقبلة. من الضروري أن ننخرط في هذه الدينامية المتعلقة بالذكاء المستقبلي، وذلك على ألا نصبح فقط مستهلكين للدراسات الاستشرافية الأجنبية التي ترصد التحولات العالمية، وتدرس إسقاطاتها المستقبلية على بلادنا، وتقترح السيناريوهات الممكنة لبلادنا في المستقبل.

سبق وتقلدت منصب وزير المالية والاقتصاد وأيضا رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي والبيئي. كيف تتصورون إعادة نهوض الاقتصاد الوطني بعد الأزمة الحالية؟ هل يمكن الحديث عن سكتة قلبية قد يعيشها؟

أنا لست متشائما إلى هذا الحد، أستبعد حدوث هذا لا قدر الله. لقد عشنا سنة 2008 الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، ولكن الحمد لله، استطاعت بلادنا أن تصمد أمام هذه الأزمة بفضل التدابير الشجاعة التي قامت بها حكومة عباس الفاسي بتوجيهات من جلالة الملك.

الاقتصاد المغربي لا يرهن مصيره بقطاع أو مورد واحد.. لدينا إمكانيات مهمة في العديد من القطاعات. وأعتقد أن الاقتصاد المغربي له من المؤهلات ما يخوله التعافي والخروج من الأزمة، إذا أحسنت الحكومة التعامل مع هذه الظرفية الاقتصادية. لدينا اليوم فرصة تاريخية لإعادة التموقع على مستوى الاقتصاد العالمي. جائحة كورونا ستدفع بالعديد من الدول إلى إعادة ترتيب إستراتيجياتها الاقتصادية، وبلادنا مؤهلة بحكم موقعها الإستراتيجي القريب من أوربا أن تستقطب استثمارات خارجية مهمة. كما أنها فرصة لجعل بلادنا قاعدة للتصدير والمبادلات التجارية الدولية، وأن نعزز توجهنا نحو إفريقيا ونحو الاقتصاديات الناشئة، وعدم الارتهان فقط بالأسواق التقليدية.

بعض القطاعات تعاني بشكل كبير.. "غير المهيكل" "السياحة" "النسيج"...هل يقتضي الأمر إجراءات استثنائية لإعادة نهضتها أو أن الوقت سيتكفل بالتعافي؟

سيتأثر قطاع السياحة بشكل خاص بسبب هذه الأزمة وكذلك القطاعات الأخرى المهمة لاقتصادنا، مثل العقار والصناعة التقليدية والنقل الجوي والسياحي، وهناك كذلك قطاعات متضررة مثل خدمات المطعمة والمقاهي التي تشغل أكثر من مليون و500 ألف من العاملين هم اليوم في وضعية بطالة مؤقتة.

ولهذا فإننا نعتبر أن خطة الإنعاش التي سيتم وضعها يجب أن تتضمن خططًا محددة لقطاعات النشاط هذه لإنقاذها وتزويدها بالدعم اللازم لاستعادة مستوى نشاطها وإنعاش نفسها. يجب أن تكون هذه الخطط مصحوبة بخطط تكوين وإعادة تدريب مناسبة لتيسير الاستئناف وإعادة إدماج الأشخاص الذين عملوا في هذه القطاعات.

بالنسبة للقطاع غير المهيكل، سيكون من الضروري أيضًا اغتنام هذه الفرصة لوضع آليات لاستثمار المعلومات التي يتم جمعها باستخدام النظام المعمول به لدعم الفئات المتضررة بسبب الأزمة، وتشجيع إدماج وحدات الإنتاج العاملة في القطاع غير المهيكل في الدورة الاقتصادية ودعمها، خاصة أن قانون المالية لسنة 2020 منحها إعفاء ضريبيًا.

تنادي بعض الأصوات بالتسامح مع معدلات تضخم تفوق 5 في المائة من أجل تحفيز النمو وتنشيط الاقتصاد، هل تعتقد أن المغرب قادر على تحمل نسب تضخم مرتفعة في سياق دولي غير مستقر؟

لقد أدت أزمة كوفيد19 بالفعل إلى زيادة البطالة التي ارتفعت إلى 10.5٪ مع وجود أكثر من200.000 عاطل جديد، ناهيك عن900000 عاطلين بشكل مؤقت توقفوا عن العمل في القطاع المهيكل. ومن المحتمل أن يكون لهذه الأزمة تأثير كبير على الشباب في إيجاد وظيفتهم الأولى، وتزايد معدلات الفقر. هناك تقديرات بأن 10 ملايين شخص في وضعية هشة معرضون لخطر الفقر. الطبقة المتوسطة كذلك مهددة بالانحدار مع تفاقم التفاوتات والفوارق الاجتماعية والمجالية الموجودة حاليا.

في هذه الحالة، فإن سياسة الضخ النقدي في النظام الاقتصادي بهذا الحجم، والتي ستؤدي إلى تضخم 5٪، لن تتحملها الفئات الهشة ولا الطبقة المتوسطة التي عانت من انخفاض كبير في القدرة الشرائية ومستوى معيشتها بسبب أزمة كوفيد-19، وبسبب السياسات المتخذة من طرف الحكومة منذ سنة 2015.

بين الاستدانة لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني أو اتباع سياسة تقشفية، أيهما ترى الأفضل للمغرب في ظل السياق الدولي الحالي؟

كما تفعل جميع دول العالم اليوم، سوف نلجأ لسياسة توسيع الميزانية لإنعاش الاقتصاد، وبالتالي إلى الاقتراض. ومع ذلك فإن قدرتنا على الاقتراض محدودة، خاصة إذا أردنا الحفاظ على سيادتنا المالية. لذلك ندعو إلى انتعاش مسؤول يدمج بين أهدافه استعادة النمو، مع احترام البيئة والحد من التفاوتات الاجتماعية والترابية وخدمة المواطنين من حيث خلق مناصب الشغل والحفاظ على قدرتهم الشرائية وضمان حياة كريمة من جهة.

ومن جهة أخرى، نعتبر أن على الدولة أن تعيد تحديد أولوياتها ومجال عملها، وأن تكون جزءًا من نموذج القطيعة، حيث لا يتعلق الأمر بإنفاق المزيد بل بالإنفاق بشكل أفضل، ولا بالاستثمار أكثر بل بالاستثمار بشكل أفضل وتمكين الاستثمارات المنجزة من تحقيق عائدات تنموية. ولا يتعلق الأمر أيضاً بزيادة العبء الضريبي بل بتوسيع القاعدة الضريبية للحصول على المزيد من الموارد المالية. وأخيرًا، يجب توجيه الطلبيات العمومية للمساهمة في أهداف عقد اقتصادي واجتماعي وبيئي جديد، مع إعادة التأكيد على الحاجة الملحة لتحقيق آثار اقتصادية واجتماعية إيجابية على بلادنا، من حيث خلق مناصب الشغل وتوزيع منصف للثروة.

Lu 302 fois